أكثر ما كَلُفَ به الرحابنة باعتبارهم مشروعاً فنياً عربياً شامخاً، هو حضور الشام، ودمشق تحديداً، في قلب هذا المشروع، والذي تمثل في أغنيات وقصائد كثيرة شدت بها فيروز، حتى يمكن القول إن فيروز غنت لدمشق (أحب دمشق هواي الأرق) أكثر مما غنت لأي عاصمة أخرى، وهذا أمر يلفت الانتباه بلا شك.

إن المتتبع لإرث الرحابنة الخاص بأغنيات وقصائد الشام ودمشق يعرف أنها من تأليف الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) والشاعر الكبير سعيد عقل، وأنها تفيض بالاعتزاز والفخر والمحبة للشام وأهلها (شام أهلوك أحبابي وموعدنا)، وتاريخها (شامُ يا ذا السيف لم يغب، يا كلام المجد في الكتب)، وأن الشام أو دمشق في هذه القصائد تتجاوز اعتبارها مدينة أو وصفها كجغرافيا ومكان، فهي ذاكرة وهوية وروح عربية جامعة وجامحة، إن الشام في إرث الرحابنة لم تكن مدينة تاريخية عابرة، بل مرآة لفكرة المشرق كما حلموا به: جمال، ووقار، وتاريخ عظيم.

إن قصيدة (شام يا ذا السيف) واحدة من أشهر ما غُنّي لدمشق، وقد كتبها سعيد عقل وغنتها فيروز على خشبة مسرح معرض دمشق الدولي عام 1963، وتعد واحدة من أربع شاميات مهمة تغنت بها فيروز هي (سائليني يا شآم)، (قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب)، (شام يا ذا السيف) (يا شام عاد الصيف)، وهناك قصيدة جميلة في الشام بعنوان (مر بي) كتبها سعيد عقل، يقول مطلعها:

مر بي يا واعداً وعدا مثلما النسمة من بردى

تحمل العمر تبدده، آه ما أطيبه بددا

أغنيات فيروز التي حفلت بها (مدونة الرحابنة الشامية) جاءت جميعها كخطاب حميم، وأقرب إلى اعتراف بحب طويل لمدينة يرونها رمزاً لتاريخ مجيد يليق بأبناء العروبة، كما يتمنونها أن تبقى مدينة لا تخون ذاكرتها، ولا تتهاوى مكانتها مهما تغولت أيادي السياسة وصناع الحروب ومهندسو خرائط الدم والعنف.

لقد أراد الرحابنة بوصفهم مشروعاً فنياً ثقافياً عروبياً أن ينهضوا دمشق الرمز كي تكون المنارة القوية التي تجمع أبناء العروبة من خلال صوت فيروز، فهل نجحوا؟ هل كانت السياسة أقوى من الفن؟

أظن أن مدونة الشام في الإرث الغنائي خالدة كما في التاريخ، وأن الباقين إلى زوال، وإلا فأين هم المغول؟ وأين هم التتار وبقية الطارئون؟