ما هي أكثر الروائح التي تعتقد بأنها استقرت في داخلك منذ زمن بعيد جداً ولن تغادرك أبداً؟ هل لهذه الرائحة علاقة بحالة وجدانية؟ بفرح مثلاً أو بمناسبة أو بشخص عزيز على قلبك؟ والسؤال ليس لشخص بعينه ولكنه لنا جميعاً: ما الذي يجعل أياً منا يحتفظ برائحة معينة في مكان ما من عقله، دون تعمد أو إصرار أو أي جهد، هي الرائحة وبسبب خصائص وعلاقة حساسة مع مراكز محددة في الدماغ تتفاعل معه وتستقر في مكان ما يحتفظ فيه الدماغ بملايين الصور والتذكارات والأحداث والروائح، لأن دماغ الإنسان ليس سوى مركز أرشيف مهول!
نحتفظ برائحة آبائنا مهما طال رحيلهم عنا أو غادرونا، رائحة أمهاتنا: ثيابهن وعطورهن ورائحة غرفهن، رائحة البيوت، المدن القديمة، رائحة المساجد وبخور الكنائس، رائحة الكتب، والغسيل المنشور للتو، رائحة مطبخ الجدات أيام الطفولة، وأول المطاعم التي دخلناها، رائحة البطاطس المحمرة والمقلية، رائحة البخور صباح العيد، ورائحة المواليد الصغار حين نحملهم في المرة الأولى ..
ومع استعادة هذه الروائح كما فعل مارسيل بروست حين استعاد طعم الشاي والكعك في حديقة بيت خالته في كتابه الشهير (بحثاً عن الزمن المفقود) تبدو اللحظات التي نعيشها وكأنها صور مستعادة لأيام سابقة، يبدو الزمن وكأنه صدى لنفسه!
إن استعادة اللحظات التي مررنا بها، ولأمكنة لا زالت هناك محفوظة بكامل طزاجة اللحظة وبنفس الرائحة، تبدو أمراً غريباً لأول وهلة، لكنه عذب إلى ذاك الحد الذي تتمنى لو أنه لا ينتهي، حين تتكدس عليك رائحة عطر كأنه آتٍ من خلف عشرات السنين، فتريد أن تظل مغموراً فيه، كما يتكدس ليلك على الطرقات على حد وصف فيروز !
في كل ذلك أجدني شخصاً يتحرك في هذه الحياة بذاكرته، أكثر مما أتحرك بقدمي، كل مكان يجذبني إليه أو أتعلق به، يشكل خيطاً في نسيج ذاكرة الأمكنة والروائح، وفي نهاية الأمر تبدو ذاكرتي ليست إلا خليطاً من عطور وبخور، ورائحة ثياب معتقة، ثياب جدتي وغرفة أمي، ورائحة بيتي، وروائح الأيام!