في كل العائلات الإماراتية الممتدة، التي قامت على وجود والدين وعدد من الأبناء كبروا وتزوجوا بدورهم، وكوّنوا أسراً صغيرة، غالباً ما تعود هذه الأسر إلى جذورها في تواصل لا ينقطع، سواء على مستوى الزيارات والتواصل اليومي أو الأسبوعي أو المناسباتي، أو على مستوى تناقل الشيفرة أو الهوية الثقافية والاجتماعية التي تميز مجتمع دولة الإمارات، والحفاظ عليها ونقلها للأحفاد والأجيال جيلاً تلو الآخر.

كيف استمرت المجتمعات الإنسانية محافظة على لغتها أو لهجتها، وسلوكياتها، وعاداتها وتقاليدها، وطرائق الاحتفال أو الاحتفاء بالأعياد والمناسبات الدينية والوطنية والمواسم المختلفة، وشكل الثياب، وأنواع الطعام، وتداول الأمثلة الشفاهية، وحفظ موروث القصص والحكايات والأساطير، والأهازيج والأغنيات والرقصات والاحتفالات و... لقد حصل هذا الحفظ عبر العائلة الكبيرة، التي علمت بفطرة الكبار والحكماء، أن واحداً من أهم وأخطر أدوارها الحفاظ على الهوية بكل شمولية الهوية.

الحفاظ على الهوية وتوريثها للأجيال وتأكيدها لا يعني الانغلاق وضيق الأفق والانعزال عن ركب التطور والبعد عن الآخر وعدم التفاعل معه... إلخ ، بقدر ما يعني أن أتعامل مع كل العالم، وأنفتح على كل الثقافات، وأتقارب مع أمم الأرض دون أن أذوب أو أتلاشى فيهم، فلا أعود أعرف من أنا، ولا على أي أرض أقف، ولا لأي لغة أو دين أو ثقافة أنتمي وأعتز، لا معنى لتلك الدعوة التي تنادي بعالمية الإنسان الذي لا محددات ثقافية له، هذه دعوة مشبوهة وخطيرة، تسلب الإنسان كافة حصونه ودفاعاته، في عالم يشن فيه الجميع حروباً يوماً ما على بعضهم بعضاً بهدف إبادة الآخر واجتثاثه والسيطرة عليه، والتحكم بثرواته ومصيره؛ لأن البشرية ذاهبة نحو حروب الاجتثاث لأجل الاستحواذ على الثروات والموارد لأسباب كثيرة جداً.

الاستقواء والتحصن بشخصيتك وهويتك وثقافتك لا يعني كذلك أن تقضي على الآخر، ففي الأرض متسع للجميع، ثقافتك تأمرك بأن تتعرف وتتعارف وتتعاون مع الكل، لكن من منطلق قوة واستقلال، وكلما تحصن الإنسان بهويته وبعائلته أسهم ذلك في استمراره وصموده، فالاستمرار والصمود وسط كل ما حدث ويحدث عمل شاق جداً، ووحدهم من يستحقون البقاء سيستمرون بثوابتهم وسط كل هذه السيولة التي تحيط بنا وتريد التهامنا!