«أنا مغتاظٌ من كتاباتي، أنا مثلُ عازف كمان أُذنه ممتازة، لكن إصبعه تأبى إعادة إنتاج الصوت الذي يسمعه داخله».. تنسب هذه العبارة لغوستاف فلوبير، الكاتب والروائي الفرنسي المعروف، الذي اشتهر بروايته ذائعة الصيت «مدام بوفاري»، التي قرأها معظمنا في سنوات المراهقة.

يعتبر غوستاف فلوبير مثلاً أعلى للكاتب الموضوعي، الذي يكتب بأسلوب دقيق، ويختار اللفظ المناسب والعبارة الملائمة، ويدقق كثيراً قبل أن يكتب جملته الأدبية، تماماً كما يدقق العازف قبل أن يعزف جملته الموسيقية، فكلاهما يعتبر ما يقدمه للناس عزفاً جميلاً نابعاً من أعماقه، تلتقطه أذنه وتخطه يده.

هكذا حينما يكون المبدع صادقاً مع ذاته، ومع جمهوره، ومع جملته الإبداعية، فلا يكتب إلا ما يشعر به، وإن كتب فلا يأخذه الزهو كثيراً بما يكتب أو يعزف، قبل أن يسمع ويقيّم ويقدر رأي الناس، ويكون موضوعياً، بل وقاسياً في الحكم على ما يقدم!

يكتب أحدهم قصة أو رواية أو قصيدة، فلا يترك منبراً أو قسماً ثقافياً أو مجموعة من الأصحاب والصحافيين والنقاد إلا ويوزعها عليهم، طالباً رأيهم، وبادئاً بالأصدقاء، يقول له معظم هؤلاء كلاماً عاماً، ساذجاً، من قبيل: إلى الأمام، جميل ما كتبت، بالتوفيق، رائع، وهكذا، كل هذا لا يعتبر رأياً، إنه مجاملات لا أكثر؛ لأن الرأي بعيد عن ذلك تماماً.

فلماذا يتجنب الناس إبداء رأي منهجي بشكل عام؟ أظن أن الأمر يعود لسببين: الجهل بمعايير النقد المنهجي الموضوعي، والحرج الذي يشعر به الأصدقاء والنقاد إزاء الكاتب الذي قد تربطهم به علاقة زمالة أو صداقة؛ لذا يفضلون تضليله، و«الطبطبة» عليه بدل أن يصدموه برأي قد يكون قاسياً، فيغضب ويشن حملة عليهم باعتبارهم أعداء النجاح وأعداء الإبداع، وأنهم حقودون وغيورون... إلخ؛ لهذا يتعطل الرأي الموضوعي والنقد الواعي، وتنهض المجاملات المريحة التي تحفظ العلاقات والمصالح، حتى وإن دمرت مناخ الإبداع!