ما من شيء أو وضع أو سلوك أو مظاهر كنا نعرفها في ما سبق من أيام، وتعاملنا معها واعتدنا عليها، وشكّلت في تلك الأيام نمط حياتنا وحياة مجتمع بكامله، إلا وتغيرت، وبعضها اندثر تماماً، وصار نسياً منسياً، لأنه ما عاد يتناسب مع تطورات وإمكانات اليوم، وما جد على الحياة والناس، إنها سنّة التحول والتغيير التي تفرض نفسها دون استئذان أو تردد، والحق أنها القاعدة الأكثر عدالة ومنطقية في الحياة، فلولا التغيير لفسدت وجمدت الحياة، ووحده التغيير دليل على ديناميكية المجتمعات وتطورها.

إن الإيمان بسطوة التغيير، دليل على شغف الإنسان وحبه للحياة، كما أنه دافع أكيد للإبداع والابتكار والاجتهاد والتنافس، وهنا يكمن السر في التحولات الهائلة التي أصابت الحياة في بلدان الخليج، وجعلتها تتقدم في جميع ميادين العمل والإنتاج والسياسة والاقتصاد والإدارة و.. لأنها بلدان آمنت ورغبت وامتلكت آليات التغيير وإرادته معاً، دون التفات للهزائم وانكسارات الأحلام.

إن هؤلاء الذين يبكون على الحياة البسيطة التي تولت، والزمن الجميل الذي ذهب إلى غير رجعة، كما يقولون، ينسون تماماً أن الزمن عنصر غير مرتبط بوصف، الزمن هو الزمن، لا جميل ولا قبيح، ولا طويل ولا قصير، ولقد عرّفه الفيزيائيون على أنه تقدم الأحداث من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، وأنه ليس بالشيء الذي يمكننا رؤيته أو لمسه أو تذوقه، ولكن يمكننا قياس مروره بوحدات قياس الوقت، هذا الزمن، نحن البشر من يملك تلوينه ومنحه هويته ووقعه الإنساني الجميل والبسيط، وغير ذلك!

وإذن فالذي تغير ليس الزمن، فالزمن منذ خلقه الله باقٍ على ما هو عليه، ما تغير هو نحن، هو سلوكياتنا وأفكارنا ونفوسنا وقناعاتنا وعلاقاتنا وارتباطاتنا، ونظرتنا للأشياء ولمن حولنا، ما تغير هو منظومة القيم التي تلاعبنا بمواصفاتنا، لتتسق مع قياسات مصالحنا، لذلك تغير مضمون الحياة البسيط والجميل والمتآخي والمتآلف، الذي كان يشكل نمط الأيام والسنين، وكأني بالمتباكين على (الزمن الجميل)، يبكون شيئاً يخصهم، شيئاً عزيزاً عليهم، لكنه فُقد منهم، لا من الزمن.