منذ سنوات طويلة، لم أجرب قضاء الصيف في دبي، كنت غالباً ما أملك برنامجاً واضح المعالم لكيفية قضاء عطلة الصيف خارج الإمارات، بشكل محدد ودقيق، اليوم، عندما أتذكر سنوات البساطة، سنوات الثمانينيات والتسعينيات، عندما لم نكن نعرف شيئاً عن ثورة التكنولوجيا والهواتف الذكية، وتحديداً عن الإنترنت، أتذكر الطريقة التي كنا نتدبر بها أمورنا، وأسفارنا، فكان علينا إذا أردنا السفر، أن نذهب لإحدى وكالات السفر الموثوقة، ونجلس مع أحد موظفيها، ونستفسر عن العروض والأسعار، يحدث هذا على مدى أيام، حتى نتخذ القرار!
وكالات السفر أو السفريات، هو الاسم الشائع للشركات التي كانت تبيع عروض سفر متكاملة في تلك الأيام، فإذا دخلت على موظف الوكالة، يشعرك أنك في حضرة مدير البنك الدولي، وحين يسألك عن وجهتك، فأنت لا بد أن يرمقك بنظرة ذات مغزى، وهنا، فليس أمامك سوى أن تسأله عن عروض السفر لديه، ليسألك عن ميزانيتك، فتسأله عن أفضل الوجهات العائلية، حتى لا يظن بك الظنون، ويلقيك على ساحل باتايا!
في الحقيقة، لقد استغرق الناس هنا سنوات ليست قليلة، ليبلوروا ثقافة سفر وسياحة واضحة، قائمة على وعي دقيق بمعادلة الاحتياجات والإمكانات والقيمة مقابل المال، ففي بداياتهم، كان الناس يسافرون إلى حيث يسافر أقاربهم وأصدقاؤهم، وكانوا يستدينون لتمويل نفقات العطلة، لتتولى الوكالة كل شيء: حجز تذاكر السفر والفندق والسيارة، ورسم خط سير الرحلة، وهنا، يتذكر معظمنا تلك القسائم التي تمنح للمسافر لاستخدامها في الفندق، عند تناول الإفطار أو أية وجبات أخرى!
اليوم، تغير مفهوم السفر كلياً، وتغيرت إجراءاته وتوجهاته وفرصه، لقد فتحت الإنترنت ومواقع التواصل، المجال للجميع لترتيب أسفارهم ورحلاتهم بأنفسهم، فتم القضاء فعلياً على شركات السفر، وإن كان البعض يحاول العودة في هذه الأيام، إلا أن الأمور تغيرت تماماً، لم يعد الناس محصورين بين لندن وميونخ وبومباي والقاهرة، ولم يعد السفر طلباً للأجواء الباردة، أصبح الناس يسافرون إلى أقصى نقطة في شمال الكوكب، فقط ليشاهدوا الشفق القطبي!