هل هناك فرق بين طفل نشأ مع أم تعتني بكل تفاصيله منذ الصباح وحتى ينام مصحوباً بدعائها، وبين آخر بالكاد يراها، أو يلمس يدها بالمصادفة ربما، هذا الطفل الذي قد تكون تلك الأيام البعيدة التي قبضت فيها يد أمه على يده بمحبة وهي تدخله المدرسة، هي آخر عهده بدفء تلك اليد؟ فهل تتخيلون؟ هل يبدو لكم الأمر مقبولاً أو معتاداً؟ أم أنها مبالغة لا أكثر؟

الواقع يقول، إنّ كثيراً من الأمهات يلقين بمسؤولية الأبناء على عاملات المنزل، وهناك من يرى في القدرة المالية للأسرة رخصة اجتماعية لجلب (مربية) لكل طفل، وللأسف إنه قد تم إطلاق تسمية (مربية) على هؤلاء المساعدات المنزليات، وهن أبعد ما يكن عن وظيفة التربية ومعرفة أبجدياتها، لكن تلك الأم التي قبلت أن تتخلى عن وظيفتها الأولى والأساسية التي خلقها الله لأجلها، أرادت بهذه التسمية أن تريح ضميرها وأن تتحرك خارج التزاماتها متحررة ومطمئنة إلى أن هناك (مربية) تقوم بالمهمة على أكمل وجه!

وهناك بعض الأسر، تتباهى النساء فيها بأنهن لا يتعاملن مع أطفالهن لأسباب مختلفة ومنذ سن مبكرة، فلا يعتنين بهم بما يكفي، لا يرضعنهم لدواعي الحفاظ على الجمال، ولا ينمن بقربهم، ولا.. معتبرات ذلك السلوك نوعاً من التربية الراقية بحسب متطلبات الحداثة، وكدلالة من دلالات الثراء! فإذا سألنا: وأين الأبناء من كل ذلك؟ سنعلم بأنهم بين أيدي (المربيات) يربينهم كما يشأن!

إنّ آخر الابتكارات الطريفة التي تصبُّ في مجرى ضرب العلاقة بين الأم وأمومتها يتمثل في الإعلان الذي يقدم للأمهات خدمة تنظيف دمى الأطفال، لأنها صديقة حميمة للطفل، لذا فعلى الأم أن تبعد نفسها عنها وتجعل الشركة تهتم بها!

لم أستطع أن أنظر لهذا الإعلان بعيداً عن كل المحاولات الحثيثة لإبعاد الأم عن بيتها وطفلها ومسؤولياتها، ولحرمان الطفل الرعاية والحنان الحقيقي حتى يكون فريسة سهلة لكل مخططات التدمير المعروفة، فحتى دميته يتوجب عليها أن تبعث بها إلى شركة لتنظيفها.. تخيلوا معي!