كيف نحتفظ بذاكرة الماضي؟ سؤال مهم يحتاج إلى مناقشة واعية، وليس إلى اجتهادات أو خلافات لأن ذاكرة الماضي تعنينا جميعاً، ومن حقنا أن نقول رأينا في الطريقة التي ترسم وتصور وتقدم بها للأجيال الصغيرة وللآخرين في الداخل والخارج. الماضي والذاكرة لا يقدمان بهدف الفرجة أو التسلية، فهناك بدائل لا حصر لها يمكنها أن تناسب عملية الفرجة وتسلي المتفرج.

نحن نتذكر الماضي ونحرص على توثيق وكتابة ذاكرة الأمس وحياة الأجداد لأن الحاضر لا يشرح نفسه، ولا يمكن أن يكون قد جاء من الفراغ، ولأن ما لا نحفظه من تجارب الناس قد يختفي برحيلهم.

فكيف تكوّنت مدننا وكيف نشأت علاقاتنا وعاداتنا؟ كيف أصبح لنا أفكار وأغانٍ وقصائد وأساطير وخرافات وحكايات وأسماء تميّزنا؟ كيف تغيّر معنى العمل والتعليم وحجم الأسرة؟ معرفة الأحداث الكبيرة لا تكفي للإجابة عن كل الأسئلة، نحتاج أيضاً إلى تفاصيل الحياة التي جرت في تلك الأيام، نحتاج أن نعرف الذين عاشوا، لكن الأهم كيف عاشوا؟

نحفظ الذاكرة كي يكون للناس العاديين مكان في التاريخ. فالقرارات والمعارك والمشروعات تُسجَّل عادة، لكن حياة أمٍ تدبّرت بيتاً في غياب زوجها، أو عامل أسهم في بناء مدينة، أو بحّار عاد من موسم بلا رزق، قد تمرّ دون أثر مكتوب. توثيقها يوسّع معرفتنا بمن صنعوا الحياة، ويمنع اختزال المجتمع في سيرة أشهر أفراده.

ننظر لصورة تراثية تعبر عن شكل البيت القديم، نرى فيها الباب الخشبي، وظلال السعف، والأواني المرتبة بعناية، لكننا لا نعرف كم شخصاً عاش في غرف ذلك المنزل، ولا كيف تدبّرت الأمّ أو الجدة طعام الصغار حين تأخر الرزق وغاب الأب؟، اللوحة جميلة، وقد تكون أمينة في تفاصيلها، لكنها لا تقول كل شيء. نحن الذين نكتفي بها ونريد منها أن تختصر حياة كاملة في منزل وآنية وباب خشبي وصبية يلعبون في الطريق!

إن هذا الاختزال قد يحدث باسم الاحتفاء بالتراث والذاكرة فنجد البعض يستعيد واجهة البيت القديم، لكن لا يتساءل كيف عاش أهله؟ نحتفي بالسفينة ومهارة صنّاع السفن العظام، فيما يتراجع الحديث عن تعب البحارة، وغيابهم، وانتظار النساء، ومخاطر البحر والغوص. تبقى الأشياء واضحة في الصورة، ويغيب البشر الذين أعطوها المعنى والحياة.