في واقع الحياة اليومية التي نعيشها نتعرض لمشاعر وانفعالات تبدو متناقضة أحياناً، وضاغطة أحياناً أخرى، ولكن الناس والمجتمع والعائلة والأصدقاء والمجموعات التي ننتمي إليها غالباً ما تطالبنا، أو تتوقع منا سلوكيات وردات فعل تحقق درجة عالية من القبول والرضا للجميع، بينما قد لا نستطيع نحن أو لا نرغب في هذا النوع من ردة الفعل، فكيف نفعل؟ معظمنا يتساءل: ماذا أفعل؟ ينصحنا البعض بضرورة إرضاء الأهل والمجتمع بدرجة ما، لأننا نعيش معهم ولا بد من وجود درجة من التوافق، حينما تسمع آخرين يصرخون بالعبارة الأزلية: لا تحاول إرضاء أحد، لأن رضا الناس غاية لا تدرك!
اليوم، لم يعد أبناء جيلي يقفون كثيراً أمام هذه الإشكالية، لقد عرفوا ونجحوا بالفعل في حلها وتجاوزوها، لكن ماذا عن الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات واختيارات متعارضة ومكلفة كذلك، وأمام أطراف عديدة عليهم أن يرضوها أو يكسبوا علاقاتها لغايات مختلفة، حيث تعددت العلاقات وتوسعت دائرة المصالح، وزادت الأطراف التي تسهم في رسم صورة الشخص وتصديرها؟ فصار الشباب يخشون نظرة وتقييم الآخرين حتى وإن كان التقييم غير صحيح، أو كانت النظرة مبنية على أسس غير حقيقية! السؤال: لماذا يخشى الشباب أن يعيشوا الحياة العادية التي يتمنونها بعيداً عن توقعات الآخرين المرتفعة في كل شيء؟ في نوعية الخبرة، العلاقات، المستوى المادي، نوع السيارة، الثياب والمقتنيات... إلخ؟
لأن الحياة العادية قد تبدو للشاب، تحت ضغط المقارنة، دليلاً على أنه لم يستثمر قدراته بما يكفي؛ فيصبح المطلوب أن يعيش، وأن يثبت باستمرار أن حياته تستحق الإعجاب، لكن لا يجب أن نفترض أن الشباب جميعاً يخافون العادي، أو أن كل رغبة في التميز ناتجة عن الاستعراض.
هناك فرق بين حياة نرضى عنها، وحياة نخشى ألا تُبهر الآخرين. وظيفة نحبها، ودخل يكفينا، وأصدقاء قليلون، وبيت نطمئن إليه: متى صارت هذه الأشياء تبدو لبعضنا أقل من أن تُسمّى نجاحاً؟
المقارنة لا ترفع سقف الرغبات فقط؛ قد تغيّر المعيار الذي نقيس به أنفسنا. يصبح السؤال: «هل سبقت أقراني؟» بدلاً من «هل أتقدم في الطريق الذي اخترته؟». والمشكلة أن المقارنة تجمع إنجازات أشخاص مختلفين في صورة واحدة: ثروة هذا، وشهرة تلك، وجمال آخر، وأسفار رابع، ثم نطالب إنساناً واحداً بأن يمتلكها جميعاً.