يقال دائماً إن أخلاق الإنسان لا تختبر في مساحات الراحة والهدوء، ولكن تظهر بوضوح في أوقات الضيق والخلافات، ففي تلك المساحة الضاغطة التي يكون الشخص فيها واقعاً تحت مطرقة الغضب والضيق والرغبة في الانتقام أو الثأر ممن أساء إليه.. إلخ، هنا تظهر حقيقة الأخلاق والشعارات والتنظير الذي غالباً ما كان يتباهى بها ويتشدق بعباراتها.

فرغبة البعض في تحويل فشل أي علاقة يعيشها إلى معركة تشهير وانتقام ورغبة في ابتزاز الطرف الآخر (الزوج أو الصديق أو زميل العمل..) دليل على سوء الخلق أولاً وعدم القدرة على الصفح ونسيان الإساءة!

والحقيقة فإن هناك فرقاً كبيراً بين القدرة على الصفح والتسامح والقدرة على النسيان، هذه معادلة نفسية معقدة بل ومتشابكة، لأن (الصفح) عمن أساء إلينا أمر مختلف تماماً عن (نسيان) إساءته وكأنها لم تكن، لذلك علينا أن نستوعب ونتفهم تلك العبارة التي سمعناها أو قد نسمعها من شخص حين يقول: «قد أسامح من يخطئ بحقي لأن التسامح قرار أتخذه بإرادتي، لكنني لا أستطيع أن أنسى لأن النسيان ليس بيدي» فهي عبارة لا تدل على قلب غير متسامح أو إنسان حقود، ولكن تدل على أنه صادق وحقيقي!

نقول لمن آلمه أو أساء إليه الآخرون: «سامح وانسَ»، وكأننا نطلب منه إغلاق نافذة أو تغيير مقعد. نجمع فعلين في نصيحة واحدة، من دون أن نسأل إن كان يملك القدرة عليهما معاً.

قد يستطيع الإنسان أن يكفّ عن المطالبة بعقاب من أساء إليه، وأن يقبل اعتذاره، وأن يتسامى فيتمنّى له الخير! وفجأة يتذكر الإساءة بكلمة عابرة أو مكان ما ظنّ أنه نسيه. فهل يعني ذلك أنه لم يسامح، أم أننا حمّلنا التسامح مهمةً لا يقدر عليها: محو ما حدث؟

(أنا سامحتك) ليست سوى كلمة، الصفح قرار يتخذه الإنسان بإرادته، أمّا النسيان فليس بيد الإنسان، ليس مجرد كلمة، إنه إرادة قلب وقرار عقل، وهذه بيد مقلّب القلوب وليست بيدنا، ليس بيدنا حين نتذكر سبب الإساءة أن لا نتألم أو نغضب، هذه مسألة تحتاج إلى زمن، النسيان قرين الزمن وهو الكفيل بأن يمحو الأثر ويوصلنا إلى (الصفح الجميل) الذي أمرنا به الله!