الذين قرأوا رواية «كالماء للشيكولاتة» للروائية المكسيكية لاورا إسكيبيل، والتي صدرت باللغة العربية عام 1914 بترجمة صالح علماني، يتذكرون حكاية بطلة الرواية (تيتا) الابنة الصغرى لأسرة ريفية محافظة من ملّاك المزارع، والتي تقتضي تقاليدها منع أصغر البنات من الزواج من أجل رعاية والدتها حتى وفاتها.
لقد حرمتها والدتها بمنطق التقاليد وسطوة الأمومة من حب حياتها، بل وزوّجت الشاب الذي تحبه تيتا لشقيقتها، فبقيت طيلة سنوات شبابها محصورة في المنزل، وتحديداً في المطبخ تعد الطعام وتقدمه لضيوف البيت ووالدتها المتسلطة، التي منعت ابنتها من الزواج بمن تحب، بل وزوجت الشاب الذي جاء يخطبها لشقيقتها الكبرى!
لم يكن أمام تيتا حين منعت من التعبير والاعتراض على تقاليد العائلة وتعليمات والدتها، سوى الإذعان واللجوء للمطبخ، لقد أتاح لها إعداد الطعام بتلك الوصفات والمقادير العجيبة التي تتصدر بداية كل فصل في الرواية، الفرصة للتعبير عن مشاعرها ورغباتها المكبوتة.
فنقلت حزنها وشوقها وقهرها إلى الطعام الذي تعدّه، وبدورها انتقلت هذه المشاعر لكل الذين يتناولونه، فكان يؤثر في قلوبهم وأجسادهم بصورة لا تصدق، فيبكون ويحزنون أو يضجون بالبهجة والضحك، وهكذا بحسب الحالة التي كانت عليها وهي تطهو!!
تطرح الرواية سؤالاً واضحاً في وجه التقاليد، في فترة بداية القرن العشرين، وعلى خلفية الثورة المكسيكية التي اندلعت عام 1910، إلا أن التقاليد داخل العائلة أو المجتمع لا تتوقف عن تجديد آلياتها ونفوذها على الأفراد، وتحديداً على النساء!
سؤال الرواية لا يخص الطعام وتفاعلاته، لكنه يتخذ من مثل مكسيكي أساساً ترتكز عليه الأحداث، فكالماء المغلي بدرجة عالية لصنع شيكولاتة جيدة، كانت مشاعر تيتا تغلي في داخلها دون أن تتمكن من استعادة حقها إلا بعد 22 عاماً!
على الرغم من أهمية هذه المعادلة، إلا أن السؤال الأعمق هو: متى يتحول الواجب العائلي من رعاية من نحب إلى إلغاء حياتنا من أجلهم؟ أو كيف يمكن رسم الخط الفاصل بين واجباتنا العائلية وواجباتنا تجاه أنفسنا ومشاعرنا ومتطلباتنا دون أن تختل المعادلة أو يحدث التقصير؟ وإذا حصل التقصير فلمن يجب أن ينحاز الإنسان الفرد داخل العائلة: لنفسه أم للعائلة؟