لماذا يعتقد كثيرون ممن ينتمون لجيل الستينيات والسبعينيات أن تلك السنوات كانت الأجمل وأنها شكلت العصر الذهبي للعالم العربي؟ دون اللجوء للتخمينات والتأويلات، إن أسباب هذا الاعتقاد كثيرة ومنطقية بحسب ما كان وما وجد في تلك السنوات، تلك الأسباب التي لم تعد موجودة الآن للأسف، ففي تلك السنوات البعيدة تألقت الحياة الثقافية وانتشرت التيارات الفكرية والأحزاب المتأثرة بنظريات الغرب، كما برزت الجامعات والحركات الطلابية، والأسماء الكبيرة في مجال الزعامة السياسية ودنيا الأدب والفن والغناء، وتصدرت المشهد العربي عواصم عربية كانت قِبلة الجميع، كالقاهرة وبيروت وبغداد ودمشق و... وغيرها.
إن معظم هذه المظاهر والظواهر لم يعد الآن موجوداً للأسف، أصبح كل هذا أثراً بعد عين، فلا الدنيا كما وصفوها لنا من عاشوها وعايشوها، ولا الزمان هو الزمان! نحن اليوم نعيش سنوات متأرجحة بين الحروب والتطرف والفتن والجماعات الإرهابية الساعية للتخريب وإعادة البلاد العربية لعصور الظلام والتخلف، مع ذلك لا يخلو الواقع العربي من مراكز ضوء ومنارات ساطعة تعمل قدر جهدها لتبقى الجغرافيا العربية مصدراً من مصادر النور مهما تكاثف الظلام، فالقاهرة لا تزال تلد الأدباء والمفكرين والأسماء الكبيرة في عالم الفن والعلم والصحافة و...
إن بيروت برغم كل جراحها تتحامل على ألمها وتكمل نهاراتها متماسكة في وجه الطوفان. عن نفسي أعرف عائلات وأصدقاء بقوا متمسكين بلبنان رغم كل أزماته ومآسيه وصعوبة الحياة فيه، لأنهم آمنوا بأن هجرة الكل ليست الحل، فالأوطان تصمد بأبنائها وأهلها، وهذا دليل كافٍ على أن هذه الجغرافيا باقية طالما بقيت هذه القيم حية في نفوس أهلها يتوارثونها ويورثونها، حتى لا تُنسى الأرض ولا يُنسى الإنسان!
إنه لا شيء يضيع وينسى كأنه لم يكن إلا حين تنسى القيمة والمعنى وروح الأشياء، وحين يقرر الإنسان أن يتخلى عن حقه وهويته، هذه ليست مثاليات ولا كلاماً من قبيل الشعر، هذه حقيقة الحضارة وروحها.