أتنقل من غرفة لأخرى من غرف المنزل، في كل مساء أبدو هكذا، قلقة إزاء أمر ما، أو أن هناك ما يشغل تفكيري، من لا يعرفني لا يدرك سبب ذلك التوتر في هذا الوقت تحديداً، وحدها والدتي كانت تعرف تماماً وتجيب من يتساءل ما بها؟ فترد عليهم قائلة: غالباً ما تكون كذلك قبل كتابة مقالها!
أمي التي تحفظ خريطة عاداتي وطقوسي كلها، حين تجدني على هذا القلق كانت تغلق باب المكان الذي أكون فيه تاركة لي المساحة والوقت حتى أنتهي.
منذ يومين، جاء لزيارتنا عدد من إخوتي، كانت إحدى الصغيرات بصحبة والدتها، وكنت على وشك الكتابة، أخذت تنظر إليّ بينما والدتها تحدثني عن المقال وقلقه، فهمت الفتاة الصغيرة الأمر سريعاً فتدخلت بلطف كمن تقدم لعمتها خدمة العمر: تريدين شيئاً يسهل عليك الأمر؟
نظرت إليها بإعجاب، هذه الصغيرة التي صارت اليوم طالبة جامعية ولديها حلول جذرية لكاتبة مضى عليها أكثر من ربع قرن في الكتابة! اتسع قلبي فرحاً بها، هاتِ اقتراحك! قلت لها.
- شات جي بي تي! قالت ببراءة.
هذا هو أفضل حل، فليس هناك من يكتب اليوم ويتعب نفسه، صدقيني!
قلت لنفسي: لاحقاً حين يحتل حياتهم هذا (الشات)، ويجردهم من كل شيء، سيصيحون ويتذمرون، وحين يستولي على أدوارهم ويتفوق عليهم، ساعتها لن يكون في أدمغتهم شيء يخصهم ويميزهم كبشر، لا إبداع حقيقي، لا أفكار، لا رغبة في أي جهد فكري، حتى أرقام هواتفهم وأرقام أصحابهم وعناوين منازلهم ستكون ملكه!
لم تعرف ما كنت أفكر فيه، فقالت إذا كنت مصرّة على أن تتعبي نفسك وعقلك وتكتبي بنفسك، فاسأليه ماذا تكتبين؟ سيقترح عليك الكثير من الموضوعات التي تهمك وتهم قراءك!
هل يعقل أنني لا أعرف ما يهمني ويهم قرائي؟
أجابت سريعاً: هو موجود ليفكر نيابة عنا، ليقدم لنا المعلومات والحلول السريعة؟ اللجوء إليه مشروع، ليس جريمة ولا عيباً، لماذا تفعلون هذا بأنفسكم؟!
ماذا نفعل بأنفسنا؟ سألتها باستغراب!
تعقّدون الحياة وأنفسكم!
كنت على يقين من أن ختام هذه المحادثة سينتهي بنا على اعتبارنا جيلاً معقداً!