قادني حظي العاثر (كان عاثراً نوعاً ما في ذلك المساء) إلى تقاسم الغرفة مع سيدة كانت تتابع مسلسلاً عربياً، دعتني لمشاهدته لأنه كما قالت، على سبيل الإغراء، جديد وبه نجوم كبار، فخضعت لإرادتها لأكثر من سبب، لكن عدم الرغبة في الجدل كان أهم الأسباب. مضى على عرض المسلسل 45 دقيقة، كانت أشبه بعقاب، ما هذه التفاهة وما هذا الإسفاف والغباء؟ مشاهد تتالى، أداء متكلف وسطحي، وكل الحوار والعقدة والمعضلة التي تحكم سير الأحداث لا تخرج عن رجل يحب فتاة ويريد استخلاصها لنفسه، وفتاة تحاول منع ذلك لأنها تعتقد أنها الأولى، وفي سبيل دفع الأحداث وملء الفراغ يزج بحوارات ومواقف لا منطق لها ولا طعم ولا معنى، كل هذا ونحن نتكلم عن عمل به العديد من النجوم للأسف!

لا يعرف صناع الدراما العربية، للأسف، ماذا يريدون من خلال أعمالهم غير الربح المادي وبيع المسلسل لأكبر عدد من القنوات، لكنهم لا يعرفون أو لا يريدون أن يعرفوا ماذا يريد المشاهد العربي، هذا على اعتبار أنه لا يزال هناك مشاهدون عرب يتابعون الإنتاجات الدرامية العربية التي يعتبر معظمها تافهاً ولا يحمل أي مضمون أو قيمة حقيقية تعادل المال الذي أنفق لإنتاجها والوقت الذي أهدر أمام الشاشات لمشاهدتها. وبلا شك فإن السؤال المنطقي هنا الذي طرح مراراً: لماذا وصل مستوى معظم الدراما العربية لهذا الحال؟ ولماذا اختفت معظم الأصوات الناقدة والمطالبة بضرورة رفع مستوى الدراما؟

معظم صناع الدراما يُرجعون سبب ضعف الأعمال لأزمة النصوص، وتحكُّم الإنتاج المؤسسي التابع للدولة والذي تتحكم فيه آليات معينة تقود في النهاية لإنتاج مثل هذه الأعمال التي يدخل فيها العلاقات الشخصية والصداقات والتوصيات والتوجهات العامة ومحدودية الميزانيات وعقليات القائمين على إدارة القطاع بشكل عام، لكن، ومع وجود نصوص قوية جداً متمثلة في الأعمال الأدبية والروائية المتاحة، إلا أن حجة نقص النصوص لا تزال مثارة، والسبب ربما يعود إلى أن الرواية أو النص الأدبي يحتاج إلى المثير ليتحول إلى عمل درامي، وربما لأن موضوعات الأدب لا تناسب الكثير من عقليات صناع الدراما، وربما أيضاً لأن كلفة إنتاجها عالية جداً!