لا أدري إذا كان الذين سارعوا لحجز مقاعدهم مبكراً لمشاهدة تحفة المخرج الأمريكي كريستوفر نولان «الأوديسة» قد انتابهم شيء من الفضول، فقرأوا ملحمة هوميروس قبل أن يذهبوا لمشاهدتها وفق أحدث تقنيات الإخراج والتصوير.

لكن ما أتذكره جيداً أن هذه الملحمة قد أثارت فضولي ثلاث مرات حتى الآن، إلا أن عليَّ الاعتراف بأنني لم أقرأها كاملة حتى اللحظة لأسباب تعود لكثرة أسماء الشخصيات والآلهة الإغريقية والأمكنة، وتفاصيل بلا حصر لم تُثِرْ اهتمامي يوم حاولت قراءتها في المرة الأولى، عندما كنت طالبة في الجامعة وكنت أتلمس طريقي إلى الكتب والمعرفة

إلا أن حدثاً ما أعادني للأوديسة بعد سنوات طويلة من التخرج والتعلم والقراءات، كان سؤال سألته لأحد أصدقائي من الكتَّاب العرب من أصحاب الاطلاع الواسع، وكان السؤال: هل ينتهي الحب فعلاً؟ أين تذهب كل تلك العاطفة والقصص والمواقف والتذكارات والأيام التي صنعت قصة الحب؟

أذكر تماماً أن صديقي بعد أن استمع إلى سؤالي صمت كثيراً، ثم قال لي: اقرئي عن جزيرة إيثاكا في أسطورة هوميروس، ستقول لك هذه الجزيرة أين يذهب الحب على وجه الدقة، وهل ينتهي فعلاً كما تظنين ويظن الكثيرون أم أنه يعود إلى مكانه الحقيقي، إلى قلب المحب، فيملؤه بالكثير، ويعيد حياكة قماشته الإنسانية ويملؤه حتى نهايته بالتجربة والحكمة؟

يومها عدت مجدداً للاوديسة، وقرأت حول محاولة الملك أوديسيوس ملك جزيرة إيثاكا الصغيرة أن يعود إلى بيته وزوجته التي يحبها بعد سقوط طروادة.

وانتهاء الحرب فيها بعدما حارب عشر سنوات أمام أسوار المدينة ثم قضى عشر سنوات أخرى متخبطاً بين الجزر والبحار والوحوش والحوريات والأساطير التي بلا نهاية، بينما كانت بينيلوبي تنتظره في إيثاكا، هناك حيث سيلتقي حبه الذي ظن أنه ضاع منه.

في إيثاكا لم يكن سيحتاج شيئاً، فكل ما كان بحاجة إليه قد وجده وقابله في رحلة العودة، إيثاكا كانت تعده بالحب فقط، وبتكرار أسطورة العودة والترحال!