من أكثر المقولات أو الأفكار الجديرة بالمناقشة هي تلك التي أوردها المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه الشهير والقيم (شروط النهضة) والفكرة أو النظرية - إذا جاز اعتبارها نظرية - تدور حول (القابلية أوالاستعداد) قابلية الفرد لسلوك أو تصرف معين لم يكن فيه أو ربما كان يرفضه رفضاً تاماً، وقد أورد الكاتب فكرته عند حديثه عن الشعوب المحتلة أو المستعمرة، وكيف يتركها المحتل ويترك في داخلها استعداداً ذهنياً لقبول الاستعمار وإن بأشكال أخرى!

إن المستعمر الذي يعمل طوال فترة احتلال شعب ما أو أمة من الأمم على فصلها عن حضارتها وغرس حضارته فيها كبديل ونشر لغته وثقافته، وإعلاء كل ما يمت له بصلة، لا يفعل ذلك حباً في نشر العلم والثقافة والمعرفة، ولكن ليترك في عقول وقلوب أبناء المستعمرات ميلاً دائماً للغة اعتادها ونشأ عليها، ومع هذا الميل تتأسس حالة من التقدير والاحترام لهذه اللغة باعتبارها لغة الثقافة والحضارة والتنوير، كما فعلت فرنسا المستعمرة مع الدول والشعوب التي احتلتها في النصف الأول من القرن العشرين!

يقول أحد الكتاب المغاربة وكان يدرس في فرنسا زمن الرئيس الفرنسي شارل ديغول، إنه استمع لإحدى خطبه وهو يحث الفرنسيين على نشر ثقافة وقيم ولغة فرنسا في المستعمرات، حتى إذا رحلتم سيشترون كل شيء فرنسي ويقدرون كل ما له صلة بفرنسا! علمهم فرنسي ليشتروا كل ما هو فرنسي، هذا هو مبدأ القابلية للاستعمار، وهي العقدة النفسية أو الذهنية التي يسميها إخواننا المصريون (عقدة الخواجة).

وهنا نقول إن القابلية والاستعداد لتقدير وإجلال لغة أو ثقافة أخرى غير لغتنا وثقافتنا ليست مسؤولية المستعمر أو الآخر فقط، إنها مسؤولية الأسرة والمجتمع ومناهج التربية والتعليم أولاً وقبل أي جهة أخرى، وهذا الكلام ينطبق كذلك على مدى تأثر وتأثير مشاهير السوشال ميديا على الصغار والمراهقين، وهذا ما يغفل عنه الكثيرون: فليس كل ما يقلده الشباب سببه المؤثر أو المشهور، فالأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، والثقافة السائدة، كلها تشارك في صناعة القابلية للتقليد. لكن هذا لا يعفي المؤثر من مسؤوليته، لأن تأثيره أصبح جزءاً من البيئة التي يتشكل فيها وعي الشباب.