كيف نقاوم ملل الصيف، حرارة الطقس، سفر الأهل والأصحاب؟ بعدم التذمر أولاً! لأن التذمر، وهو الشعور المتفاقم الناجم عن الملل، سيضيف للملل وشدة الحرارة والشعور بالوحدة أحاسيس وسلوكيات سيئة من الأفضل تجنبها، كالتوتر والعصبية والنزعة للوحدة والانسحاب بذريعة (الطقس لا يطاق، وأنا لا أكاد أطيق نفسي!) إذن ما الحل؟ إذا لم يستطع الشخص أن يسافر أو يحتمل الخروج في هذا الطقس؟

للإنسان تعريفات أخرى موازية للتعريف الكلاسيكي المشهور (الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة) والذي اخترعه العلامة ابن خلدون، فالإنسان إضافة لذلك، كائن قادر على التأقلم مع كافة الظروف والأحوال، وهو كائن غير قابل للانقراض تحت أي ظرف (بدليل صموده أمام أعتى وأشرس أسباب الإبادة التي تعرض لها الجنس البشري! وهو كائن يلعن الحياة والظروف والطقس ونفسه لا لأنه يكره الحياة، بل لأنه يحب الحياة والطقس ونفسه لكن بشكل أفضل وأجمل وأكثر راحة ورفاهية، ومن هنا فكل الكائنات ظلت محتفظة ببيئاتها وأشكال حياتها التي جبلت وخلقت عليها منذ الأزل، تعيدها وتكررها على امتداد الأعوام والحقب والقرون، إلا الإنسان الذي انتقل عبر الزمن من حياة الكهوف البدائية إلى بناء الحضارات والمدنيات!

هذا الإنسان الذي صمد وعاش وتأقلم يستطيع بكل بساطة التغلب على حرارة الطقس، بل ويستطيع نسيان معاناته معه بعد فترة بسيطة، بقليل من نسمات الهواء الباردة واجتراح معجزته الدائمة: الانتصار على الظروف بالمتاح والمتخيل! بالكتابة والقراءة والرياضة والطهي والكثير من الثرثرة واختراع الحكايات!

بين يدي رواية جميلة جداً، بل هي واحدة من أنضج ما كتب الإسباني خوان خوسيه مياس، صاحب رواية (هكذا كانت الوحدة)، وهي تقوم على تساؤل يبدو غريباً خلاصته: هل فكرت أن تخترع لنفسك حياة أخرى غير التي تعيشها، حياة تستدرك فيها ما لم يحدث لك، كمن يعيش نسخة تعويضية موازية لحياته الواقعية؟ يفترض نفسه متزوجاً ولديه أبناء (وهو لم يتزوج أبداً)، ويتخيل كيف صارت أعمارهم وتصرفاتهم وأشكالهم، وكيف أصبحت علاقته بشريك حياته وما الذي طرأ على الحب والأولاد والبيت.