الذين انتقدوا كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون، اعتبروا أنه بالغ في نزع صفة العقلانية عن الأفراد حين وصفهم بالغوغائية وفقدان القدرة على السيطرة على أفكارهم واستقلال توجهاتهم وسط الجماهير، لذلك يعتبرون كتابه مجرد اجتهاد يخص الزمن الذي ظهر فيه، بالرغم من أنه يعتبر ثورياً قياساً بذلك الزمن «1895».
لكن ما الذي يؤكد عدم علمية أفكار غوستاف لوبون حول تطرف وغوغائية الجماهير؟ يقول المنتقدون إن علم النفس الاجتماعي الحديث انتقده في عدة جوانب، منها: أنه صوّر الجماهير على أنها غير عقلانية دائماً.
بينما أظهرت أبحاث لاحقة أن الجماهير قد تكون منظمة وعقلانية في ظروف كثيرة، والحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي وما يحدث فيها، وما نراه اليوم في خضم مباريات وجماهير مباريات كرة القدم يثبت أن ما ذهب إليه غوستاف لوبون لا يذهب بعيداً عن الحقيقة!
كما ذكروا أنه بالغ في قوة «العدوى النفسية»، وأهمل دور القيم المشتركة والهوية الاجتماعية، والحقيقة أن الجماهير لا ترفض ولا تلجأ للقيم بقدر ما تندفع بعواطفها وغرائزها، وهذا ما نراه في وسائل التواصل والإعلام كذلك.
إن هناك نظريات تؤكد أن الهوية الاجتماعية تجعل الناس لا يفقدون عقولهم داخل الجماعة، بل يعيدون تعريف أنفسهم وفق هوية جماعية معينة، ويتصرفون بما يرونه مناسباً لتلك الهوية، لا بشكل عشوائي، فهل ما نراه اليوم يتماشى مع هذه النظرية فعلاً؟
وأياً كانت قيمة أو مآخذ البعض على الكتاب فإنه حاول قدر استطاعته، وفي زمن مبكر، أن يقدّم محاولة مؤثرة لفهم كيف يمكن للعواطف والرموز والقيادة والتكرار أن تغيّر طريقة تفكير الناس عندما يتحولون من أفراد إلى جمهور.