من أهم وأخطر الكتب النفسية السياسية في العصر الحديث هو كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون، لخص فيه آلية تفكير الفرد عندما يكون بمفرده وعندما يصبح واحداً من الجمهور، حيث يضع لوبون يده بدقة على ما يميز سيكولوجية الفرد وسيكولوجية الجماهير، ولعل أهم ما ذكره في هذا الكتاب الصغير الحجم، القوي الأثر، العدوى النفسية التي تنتقل للفرد عبر حضور وضغط الجمهور ما يجرده من استقلاليته وقدرته على رؤية الأمور بوضوح، وهو ما أطلق عليه: العدوى النفسية.

يرى لوبون أن الأفكار والمشاعر تنتقل بين الناس كما ينتقل الوباء، فإذا بدأ عدد قليل بالضحك أو بالتصفيق والهتاف مثلاً سرعان ما يضحك البقية دون حتى أن يعرفوا النكتة أو الأمر الذي دفعهم للضحك، كما يصفقون ويهتفون مع المجموع بشكل تلقائي!

وإذا بدأ بعضهم بالصراخ أو الهروب ينتشر الذعر خلال دقائق أو أقل، وقد رأينا كيف تنتشر الفوضى ويأخذ الكثيرون في سرقة المحال وتحطيمها في بعض المدن لأسباب مختلفة، فقط كنوع من التأثر وانتقال عدوى الفوضى للآخرين، الذين يجدون أنفسهم يتصرفون كالبقية، فيسرقون ما تقع عليه أيديهم، في تصرف يبدو غير مبرر ومثير للفزع، وإذا ما فتشنا في تاريخ هؤلاء قد نستغرب أن كثيرين منهم لم يسرقوا في حياتهم، لكنها عدوى الجماهير!

ولهذا نرى في الملاعب أو الأسواق أو وسائل التواصل الاجتماعي أن الانفعال ينتقل بسرعة مذهلة، فيتبنى الناس أفكار الجمهور والرأي ذا الصوت الأعلى، ويرددونه بل ويدافعون عنه، دون تفكير أو تمهل، حيث لا يمر هذا السلوك على مراكز الإدراك والتفكير، بقدر ما تتحكم فيه ميكانيزمات التأثير والاندفاع العاطفي التي لا علاقة لها بالعقل والوعي!

ما الذي يحتاجه الناس ليرددوا كلاماً أو أفكاراً أو أحكاماً لم يقتنعوا بها يوماً؟ يقول غوستاف لوبون: يحتاجون قوة التكرار، أن تتكرر العبارات والهتافات بشكل مستمر ويومي، فيصبح الجميع كأنهم يتحدثون من فم واحد.