عشت لحظة من التأمل ربما لا تتناسب مع المكان والظرف الذي كنت فيه، لكن التأمل والاسترجاع فرضا نفسيهما على ذاكرتي ومشاعري وأنا أرى الفتاة التي كانت بالأمس طفلة صغيرة ضئيلة بحجم قبضة ورد، تحبو في ممر الفندق الطويل.

في العام 2009، بينما العائلة تقضي فترة مرافقة لوالدتي بعد عملية جراحية دقيقة أجرتها في ألمانيا، فجاء والداها لينضما إلينا، وجاءت هي مصحوبة بكم هائل من الدلال والفرح والبهجة، أضفته بوجودها بيننا، أتذكرنا ونحن نقيم في فندق الهيلتون بمدينة ميونخ الألمانية، ثم أتذكرها وهي تكبر يوماً بعد يوم أمام أعيننا، ترفع قدماً وتضع أخرى وتسقط وتبكي، ثم تقف تتوازن وتتكئ على يدي أمها لتتمكن من المشي.

وأتذكرها وهي تدعو وترفع كفيها الصغيرتين عندما وقع شقيقها الأصغر في خضم أزمة مرضية طاحنة طحنتنا جميعاً، بينما ظلت الصغيرة تتأرجح بين الحيرة والشقاوة، تعيش طفولتها وتتعجب من بقاء شقيقها طريح المستشفى زمناً.

تذكرتها وهي تعود من لندن بعد رحلة علاج لشقيقها دامت أكثر من عام، عادت بعدها وهي تتحدث بلغة عربية فصحى تثير الابتسام والضحك، كما تثير الإعجاب بهذه الصغيرة وهي تنطق العربية بهذه الطلاقة والحذاقة، لقد قضت هذا العام في لندن وهي تشاهد أفلام ومسلسلات الكرتون العربية التي تربى عليها جيلنا، من نوعية السنافر وزينة ونحول، عادت وهي تتأرجح ثانية بين لغتين وطريقتين في الحديث قادت إلى تنمر الصغار عليها، لكنها سرعان ما تماهت في لهجتها.

كبرت الصغيرة وتخطت عتبات وليست عتبة، تخطت رحيل شقيقها، وطفولتها، وبعضاً من مراهقتها، لتصل إلى أعتاب الجامعة، كانت البارحة وهي تسير مع رفيقاتها إلى منصة التخريج تعبر سبعة عشر عاماً من الأحلام والطفولة والأمنيات التي ملأت قلبي والديها وقلبي، لتعبر بكل هذه الحمولة إلى الغد، إلى المستقبل، إلى الجامعة. لقد جرى كل هذا الشريط الطويل الذي اختصر سبعة عشر عاماً في بضع ثوانٍ، إنها عظمة الذاكرة وعظمة المحبة وقوة الأمنيات.

لعلياء ولكل الخريجات اللواتي كن يسرن بثقة وفرح، صباح أول من أمس، كل أمنيات المحبة وصادق الدعاء بأن يرزقهن الله أياماً أجمل وأكثر أماناً وسلاماً، فهن يستحققن ذلك بجدارة، والوطن يستحق ونحن نستحق.