استمعت إلى أحد ناشطي السوشيال ميديا وهو يقارن بين الشكل الهندسي والمعماري للبيوت في معظم مدننا العربية هذه الأيام والبيوت قديماً، حيث يتميز البيت العربي التقليدي القديم بشكل معماري جميل ومليء بالتفاصيل والزوايا الدافئة، مع الاتساع والنوافذ ومسارب الضوء وألوان الأبواب وأشكالها والحدائق والجلسات وغيرها، هذه التفاصيل التي استقرت في ذاكرة أجيال كثيرة، وتم توثيقها عبر قصائد الشعراء والروايات والقصص والكتب التي تناولت العمارة والهندسة العربية!

وقد فصّل في حديثه عن البيوت العربية القديمة وعلاقة الإنسان بها، ومدى الراحة التي كانت تمنحها تلك البيوت لساكنيها، وكيف أنها كانت مكوناً أساسياً في التنشئة والذاكرة الجمعية لأصحابها الذين يبقون أوفياء لذكرياتهم وحياتهم وعلاقاتهم في تلك البيوت والحارات التي تأسست من تلك المنازل.

وهنا أتذكر تماماً الرواية البديعة (دمشقي) للروائية الفلسطينية المعمارية (سعاد العامري) التي وثّقت تفاصيل منزل عائلتها في دمشق عبر رواية من أبدع ما قدمته المدونة الروائية العربية! إن تفاصيل ذلك البيت لا تزال تسكن ذاكرتي رغم مرور زمن على قراءة الرواية، كما تسكنني تفاصيل منزل طفولتي في منطقة (فريج عيال ناصر) حتى اللحظة!

يسترسل صاحب الفيديو في حديثه عن البيوت فيقول إن مؤامرة قد حيكت على مزاج ونفسية وعلاقة الإنسان العربي بحاراته القديمة وبيوته، على الهندسة والعمارة والتفاصيل والهوية، على الحديقة ونافورة الماء وسط الفناء وعلى النقوش والألوان والجلسات و...

حيث استبدلت بمنازل لا لون لها ولا هوية، لا تفاصيل ولا بروزات ولا نقوش، بيوت بيضاء ورمادية موحدة جعلت الذوق العام عائماً وهلامياً، والأهم جعلت البيوت بلا شخصية محددة فكل البيوت واحدة، ما يذكر بتلك المخابئ والأبراج التي بناها الشيوعيون في دول شرق أوروبا لتوحيد شكل المعمار وإزالة الفوارق واستخدامها وقت الحروب!

لا أظن بوجود أية مؤامرة في الموضوع، فليس هناك من وما يجبر أحداً على اختيار الشكل العام لبيته، المسألة تتعلق بتطورات الحياة والأوضاع المادية وتحولات المدينة وتغير الذوق العام للإنسان بشكل عام، فمثلما تغيرت موضات الثياب وقصات الشعر وأشكال السيارات وأنواع الأطعمة وتخطيط المدينة، كان من الطبيعي أن تتغير هندسة ومعمار البيوت، فالناس اليوم والمدينة لا تحتمل مادياً على الأقل كلفة تلك البيوت الكبيرة المتسعة الفائقة الجمال والرحابة.