عدت من إجازة قصيرة قضيتها خارج الإمارات، عندما دخلت البيت كان الجميع نياماً ما عدا والدتي، لم تستطع النوم قبل أن أصل وتطمئن عليّ، توقعت ذلك، وتمنيت أن أصل باكراً كي لا أُقلق نومها، لكنها مواعيد الرحلات وقواعد الطيران. لا علينا، أردت أن أقول إنني وصلت جائعة، لسببين: أولاً لا أحب أن أتناول طعاماً متأخراً في الطائرة، ثانياً وهو الأهم، أنني أنام معظم وقت الرحلة! أخذت أفتش هنا وهناك في المطبخ، صالة المنزل، فوق، تحت. كان البيت يعبق بتلك الروائح التي أعشقها، رائحة المانجا والرطب التي ما إن فتحت الثلاجة حتى طالعتني كميات هائلة منهما!

هذا هو الإعلان الرسمي للصيف عند الإماراتيين: أن تمتلئ البيوت بالرطب، أن تقيظ النخيل (تنضج ثمار الرطب فيها)، وأن يتلاشى أو يتراجع كل اهتمام بأية فاكهة أخرى، فيصبح الرطب والهمبا (المانجا البلدي) واللوز بعد قليل، هي ثلاثي الفواكه المعتمدة التي ينتظرها الإماراتيون في هذا الموسم، وهنا أتذكّر تماماً كيف كانت الجدات يستقبلن أول مواسم الرطب عندما كنا أطفالاً، كانت جدتي تتناول حبة الرطب وتقبّلها ثم تضعها على عينيها ثم تعيد تقبيلها وهي تقول: الحمد لله أن أعادنا على هذه الأيام وبشرنا بالرطب مجدداً.

ثم تدعو بالعمر الطويل لنفسها ولنا وللجميع.. إذ إن هذا هو المعنى الحقيقي لعودة المواسم الطيبة، فهناك حول أو عام كامل مر عليها، وها هي تعود مجدداً. هذا هو الاحتفاء بمرور عام على العمر الطيب والصحة الجيدة، وهو شعور بالامتنان لله ثم للطبيعة وارتباط كبير بهما، وليس مجرد طعام نادر يتنافس الناس لشرائه بمئات الدراهم، وإنما بشارة عمر وصحة وخير، يحملها جارك لك أو صديق أو أحد معارفك ممّن يمتلك نخلاً في بيته أو بساتين نخيل، تماماً كما وجدت الرطب يملأ البيت عندما عدت وعرفت من والدتي أنها هدايا الأصحاب والأحبة ممّن يمتلكون مزارع النخيل في هذه الأرض الطيبة. هذه هي الإمارات بكل طيبة أهلها وخيرات أرضها تظهر في المواسم والمناسبات والفصول وطيلة الوقت والأيام.