كلما سافرت أكثر ازددت شغفاً بالمدن البعيدة والأسفار التي تحملني لأماكن الدهشة والمعرفة، إلا أن الأمر يأخذ مساراً آخر في ذهني كلما فكرت بكثافة المجهول الذي يقف خلف المسافات، فما إن تحلق بك طائرة إلى جهة مجهولة، وما إن تفتح أبواب مدينة جديدة، وتتعرف على معلومات وأسرار لم تكن تدري عنها شيئاً، حتى يختلج في نفسك ذلك السؤال الذي يبقى حائراً في قلبك:

كم هي الأشياء التي لا أعرفها؟ وكم أحتاج من الأسفار والأيام لأتعرف على كل هذه المجاهيل المغرية؟ هذا الهاجس سيدفعك للكتب ودوائر المعارف والقنوات الإخبارية والأفلام والمحطات والمواقع الوثائقية لتعرف:

من وأين ومتى وكم وماذا ولماذا حدث ذلك أو كان ذلك الأمر أو تلك الحادثة؟ ففي محل أو حانوت صغير تبيع صاحبته الخبز الطازج المخبوز في التو، تكون أنت أول الداخلين، تبتسم لك البائعة تلك الابتسامة الجاهزة التي تصدر للغرباء غالباً ملفوفة بسؤال: كيف يمكنني خدمتك؟

فتجيبها أنت أيضاً بتلك الابتسامة الجاهزة التي ترد بها لتدفع عن نفسك تهمة أن الغرباء متجهمون، والعرب مغرورون عادة، بعد أن تسير الأمور بشكل جيد تقول: أريد كرواسون! كرواسون فرنسي وقهوة إيطالية!

تهز لك المرأة الضئيلة الجسد، جميلة الابتسامة رأسها وتشير لك بأن تجلس ريثما تجهز لك طلبك، تتسلى أنت بالنظر لفضاء المكان، تنظر للرائحين والغادين، حتى تصبح رائحتا القهوة والخبز قريبتين من أنفك، تنظر لك البائعة بتردد ثم تقول لك:

على فكرة الكرواسون ليس فرنسياً، إنه نمساوي الأصل، سطت عليه فرنسا ومنحته جنسيتها وصدرته لكل العالم، ربما لو بقي نمساوياً ما كان قد أصبح مشهوراً مثل صوفيا لورين وبريجيت باردو! أما القهوة فاكتشاف عربي وربما تركي جاء إلى بريطانيا وإيطاليا بطريق التواصل والتجارة!

هكذا يغدو السفر طريقاً للمعرفة والاكتشاف وشعوراً بالعجز أيضاً أمام المعرفة أو المعارف الخفية، التي لا تعد ولا تحصى، المخبوءة عنا خلف الأبواب والمدن وزجاج المحلات والحوانيت الصغيرة، وكلما عرفنا اكتشفنا ضآلة ما نعرف وحجم الشغف الذي يسكننا للمعرفة!