في لقائه الأخير مع أنس بوخش، الذي أحدث ردات فعل كبيرة عبر السوشيال ميديا، وصف الفنان كاظم الساهر الشهرة، التي حظي بها وعاشها لأكثر من ثلاثين عاماً بلغ فيها أن أصبح أحد أعلام فن الغناء العربي، بأنها كانت وهماً، وأنه وهو الآن على أعتاب السبعين تقتله الحسرة على إهماله لزوجته.

أو كما سماها خلال اللقاء بـ«أم الأولاد»، حتى إنه وصف غيابه عنهم بسبب ارتباطه بالتلحين والحفلات بأن كل ذلك لا يساوي شيئاً أمام قيمة الأسرة ودفء العائلة، والغريب أن الفنان المصري العالمي عمر الشريف كان قد قال الشيء نفسه، وتقريباً استخدم لغة الحسرة والندم نفسها في لقاء تلفزيوني قبل وفاته بفترة قصيرة.

فهل رأى هذان الفنانان الحياة بمنظور جديد وهما على أعتاب آخر العمر (العمر الفني على الأقل)، أم أن العمر منحهما حكمة وفلسفة يتشابهان في التعبير عن خلاصتها، ويتفقان مع كثيرين عاشوا الحالة نفسها؟

في ظني أنه بالإضافة للشجن الذي تركه حديث الساهر حول الشهرة والندم والحسرة رغم كل هذه النجاحات العظيمة، لا يتعلق الأمر بإنكار ما حققه، بل بإعادة تقييمه، ونظرته لمعنى النجاح من منظور العمر الطويل والتجربة.

فالنجاح كما يراه شاب في العشرينيات أو الثلاثينيات يختلف معنى ومغزى وهدفاً عنه عند رجل يسير حثيثاً نحو السبعين كما في حالة كاظم، أو الثمانين كما في حالة عمر الشريف، فهذان قد اكتفيا من الشهرة إلى حد التشبع، لكنهما اكتشفا بعد رحيل العمر، كما قال نزار قباني في «قارئة الفنجان»، أنهما كانا يطاردان خيط دخان، وأنهما لم يشبعا كما يجب من دفء العائلة وحنانها.

تختلف الاحتياجات والرغبات حسب كل مرحلة، أو لكل مرحلة احتياجاتها ورغباتها ومتطلباتها، فما كان يتطلع إليه شاب في مقتبل العمر والتجربة والطموح، يسعى بكل طاقته ليقلب الطاولة والظروف في وجه الأيام العسيرة والطفولة البائسة التي عاشها ويستبدل بها النجاح والغنى والمال، ليس هو ما يريده هذا الشخص وقد قارب السبعين ووصل لمنتهى أحلامه وطموحاته. إنها ليست الاحتياجات نفسها بعد أن حقق كل ما أراد، ونسي ذلك الطفل البائس المحروم الذي توارى خلف الأيام والعمر والتجربة والنجاحات المدوية.