إن الإشكالية الثقافية التي تعرَّض لها الجزء الأول من هذا المقال تخص ظاهرة أكثر منها مجرد حالة تخص أفراداً محددين، وهي إشكالية جديرة بالنقاش؛ لأنها تشير إلى الفجوة الواضحة التي يلمسها معظم المثقفين الخليجيين عند تواصلهم ووجودهم مع المثقفين العرب على وجه الخصوص خارج الجغرافيا الخليجية، وضمن المحافل والملتقيات الخليجية، والفجوة هنا تتعلق بأن حضور «المثقف الخليجي» في الذهن العربي أقل من حجم منجزه الحقيقي، وبإشكالية تتعلق بالفارق الكبير بين المنجز الثقافي الفعلي لهؤلاء وبين الصورة النمطية المتداولة عنهم في الفضاء العربي.

يمكن التأكيد أن هذه الملاحظة صحيحة إلى حد بعيد، كما يمكن الإشارة كذلك بكثير من الامتنان إلى أن طفرة وسائل التواصل قد عملت على إعادة ترميم تلك الصورة مع محاولة دؤوبة لردم الفجوة، عبر تسليط الضوء ونقل أنشطة وأخبار وتطورات المنجز الثقافي الكبير للمثقف الخليجي والمؤسسات الخليجية التي قدمت الكثير للحياة الثقافية والمثقف العربي في جميع المجالات، الأمر الذي لم يسبق أحد إليه بهذا الزخم والقدر من البذل والاهتمام والتسامح، حتى وصل الأمر إلى عدد غير مسبوق من الجوائز الأدبية والفنية، وإلى أرقام فلكية مخصصة كجوائز نقدية، إضافة إلى مشاريع عملاقة في الترجمة والنشر و...إلخ.

والحقيقة أن الفكرة التي خلاصتها أن الخليجي شخص غير مؤهل لإنتاج فعل ثقافي جاد وحقيقي هي معطوبة، تنطلق من منطق فوقي وعقول إقصائية للأسف! أسهمت في ترويجها بعض وسائل الإعلام العربية، إضافة إلى مركزية الدور الثقافي الذي تصدت له عواصم عربية بعينها نشرت فكرة أن الثقافة شأن عربي لاعلاقة للخليجيين به.

هذا إضافة إلى أن الكثير من الأصوات النقدية ودور النشر والصحف الثقافية الكبرى والجامعات المؤثرة تشكلت تاريخياً خارج الخليج، وبقيت آليات صناعة «الشهرة الثقافية» و«الشرعية الرمزية» متمركزة في أيدي تلك الجهات أو التيارات، وهذا جعل الاعتراف بالمبدع الخليجي يأتي أحياناً متأخراً مقارنة بحجم إنتاجه، الذي لم ينشغل بتسويقه كما يجب، وهذا يجعل المثقف نفسه شريكاً في إنتاج الإشكالية وترسيخها.