منذ سنوات، عندما لم يكن الإنترنت موجوداً والعالم لا يزال قرية صغيرة لكنها تتواصل بالهاتف وأخبار الساعة العاشرة، وتشاهد مسلسل التاسعة وتنام بعد الفيلم المصري، كنا نتفهم صعوبة انتقال الأفكار وتمددها بين الناس، ونفهم لماذا يظل الناس حبيسي أفكار غير منطقية انتهى زمنها.
لكن بعد أن أصبح العالم أقرب إلى كبسولة تعوم في الفضاء تتواصل بكل التقنيات وتصل لكل المعلومات ومصادر المعرفة بسهولة ويسر، لم يعد مقبولاً أن يقول مثقف عربي في أحد بلدان العرب لآخر قادم من جغرافيا الخليج:
لقد فاجأني مستواك الثقافي وتطرقك لموضوعات شائكة عادة ما لا يهتم بها الخليجيون! أو تقول مثقفة عربية في بلد عربي آخر لمثقفة خليجية انتهت من تقديم ورقة لافتة حول إسهامات المرأة في تطوير تقنيات السرد الخليجي «لقد غيرت فكرتي عن نساء الخليج»!
لم يعد مقبولاً أن يبقى هذا الطرح متداولاً وبهذا الإصرار، والأكيد أن مثل هذه العبارات لا تسعد من تقال لهم، إذا ظن قائلها أنها تمثل مديحاً أو إطراءً من نوع ما، فالأكيد، والذي لا جدال فيه، أن هذه العبارات ومثلها كثير سمعها معظمنا في بلاد العرب، إنما تنطلق أولاً من صورة ذهنية نمطية تسكن عقول الكثير من مثقفي العرب الذين لا يزالون يعيشون في أبراجهم غير العاجية بالتأكيد، وهي صورة مغلوطة ولا تطابق الواقع، لكن للأسف معظم هؤلاء كسولون لا يتحرون الدقة في إطلاق أحكامهم ولا يبحثون في حقيقة الواقع أصلاً!
في بلاد الخليج مثقفون طرقوا مجالات الثقافة كلها، ومارسوا الفنون بمختلف أنواعها، وشاركوا في أكبر التجمعات والمؤتمرات والمهرجانات، ونالوا الجوائز واطلعوا وقرؤوا، وهم حين يتحدثون في الثقافة والفن والمعرفة لا يُجارَون ولا يُشق لهم غبار.. لكن هناك ما يعرقل وصول هذه الصورة البراقة من الشيوع والبروز.
أول هذه الأسباب قصور وسائل الإعلام العربية وحتى المحلية، ولسنوات طويلة، عن إبراز هذا الدور بالجدية والقوة اللازمة، إضافة لقصور مؤسسات الثقافة والإعلام العربية في استضافة وإبراز الأصوات الخليجية لأسباب معروفة!