هناك مدن ذات طابع تاريخي، فأينما وجهت نظرك تجد بناء أثرياً أو قصراً قديماً أو قلاعاً أو... هذه مدن تحولت عبر الزمن إلى ذاكرة أو عاصمة من عواصم التاريخ، لكنها لم تعد صالحة لحياة إنسان اليوم، صارت أطلالاً وتحولت إلى مزارات لا أكثر.
وهناك مدن عرفت واشتهرت بسبب الأحداث التاريخية التي تتالت عليها ودورها الكبير والمحوري في ذلك التاريخ، كمدن النهضة الإيطالية مثلاً (فلورنسا، جنوة، فينيسيا...)، مثل القاهرة ودمشق وتونس وبغداد... إلخ، الفرق أن هذه المدن ما زالت مأهولة بالبشر، وما زالت تكمل كتابة التاريخ حتى اليوم.
مدينة براغ واحدة من المدن الأوروبية ذات التاريخ الممتد والضارب في الزمن، وهي تقدم لك تاريخها ببساطة وثقة وعنفوان، أبراجها الكثيرة التي تبدو لك من الضفة الأخرى وأنت تقف على جسر تشارلز الشهير تحدثك عن الدول والإمبراطوريات التي غزتها وحكمتها ومرت على بواباتها، كما تخبرك قلاعها الأنيقة ومبانيها الضخمة وساحاتها وكنائسها وساعتها القديمة المنصوبة وسط المدينة منذ قرون.
إنك كزائر تأتيها لأول مرة تشعر بهذه الحالة التاريخية منذ اللحظة الأولى التي تخطو فيها خارج فندقك الصغير المنزوي في أحد الأزقة، فبعد أن تكون قد مررت بغرف مكتوب على أبوابها (فرانز كافكا / ميلان كونديرا كتّابها العظام) وعرفت أي أدباء قدمت لك براغ، تخرج إلى فضاء المدينة وتبدأ بالسير في طرقاتها المرصوفة بالحجارة الصلدة، وشوارعها القديمة الهادئة، وجسورها المعلقة على نهر الفلتافا، ساعتها تعرف في أي مدينة أنت!
مدينة لا تكشف لك أسرارها بسهولة من الزيارة الأولى، ستحتاج إلى وقت لتتعرف عليها، إنها تشبه امرأة عصية ومتطلبة (كأي امرأة جميلة). الغريب أنك قد لا تتناغم مع أجواء براغ في الزيارة الأولى، وقد لا تفك شيفرتها في الزيارة الثانية، لكنك ستقع في غرامها حتماً في الزيارة الثالثة. هناك من يقع في غرام المدن من النظرة الأولى.
كل هذا يتوقف على وقت زيارتك، ومن ترافقه، وما يملأ قلبك أو عقلك عند دخولك، ونظرتك إليها: هل هي مدينة ذات تاريخ عريق وأسرار من القرون الوسطى، أم وجهة سياحية لقضاء يومين ضائعين، بنفس حماسة من يرمي نقوداً في رهان فاشل ويمضي، غير مكترث بالفوز أو الخسارة، طالما أنه حظي بوقت ممتع!