مدينة تشيفيتا الإيطالية واحدة من المدن التاريخية التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 2500 عام، وقد بُنيت على قمة تل صخري يتعرض للتآكل بشكل مستمر، لذلك تصفها المواقع الأثرية والسياحية بـ«المدينة المحتضرة»، وللحفاظ عليها، صار من غير الممكن دخولها بالسيارة أو الحافلة مثلاً، لذلك يتحتم على الزوار أن يسلكوا جسراً معلقاً ممتداً لمسافة طويلة يربطها بالأرض.

وقد حدثتني سيدة عن زيارتها مؤخراً للمدينة، وانبهارها بها، رغم صعوبة الوصول إليها. تاريخياً، بدأت المدينة حيث هي الآن بعدد من السكان لا يتجاوز السبعة أشخاص من الرهبان، لكنها اليوم تحولت إلى معلم سياحي جميل يحمل معنى رمزياً عميقاً للإنسان.

فهذه البلدة الصغيرة القائمة فوق هضبة من الصخور البركانية تتآكل أطرافها منذ قرون، بفعل الرياح والأمطار والانهيارات الأرضية، وتسميتها بـ «المدينة المحتضرة»، جاء بسبب ذلك، وبسبب عدد سكانها الدائمين القليل جداً! ويبقى السؤال الأهم، ما الذي يجده الناس في مثل هذه الأمكنة؟

وكشخص يحب الأسفار، ولي معها حكاية ممتدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فإن زيارة المتاحف بجميع تخصصاتها، والقصور الأثرية والمساجد والكنائس والمدن القديمة، واحدة من أهم ما أحرص عليه عادة في هذه الأسفار، وفي ظني الخاص، فإن الإنسان الحديث يعيش في حالة من السرعة والتغيّر المستمر في كل شيء، هذه السرعة تكاد تلتهمه وتأكل روحه.

لذك فإنه حين يسافر إلى هذه الأماكن التي لا علاقة لها بالسرعة، حيث توقف الزمن فيها منذ آلاف السنين، يستعيد الكثير من هدوئه، كمن التقط أنفاسه أخيراً، وكأنه نجا من وحش كان يطارده، حتى ولو لقليل من الوقت!

يشعر بأنه خرج مؤقتاً من قوانين الزمن، فالأزقة الحجرية والبيوت القديمة، تمنحه إحساساً نادراً باستمرارية الحياة في وضعهما الطبيعي، وإن كان داخل حكاية تاريخية عتيقة!

أمر آخر يمكن تلخيصه في أن هذه الأمكنة أشبه باستعارة حجرية لحياة الإنسان، فهي تقف منذ مئات السنين فوق جرف يتآكل ببطء، تماماً كما يعيش الإنسان، وهو يعلم أن الزمن يعمل فيه بصمت، لذلك يشعر كثير من الزوار بشيء من التأمل الوجودي هناك، حتى لو لم يعبّروا عنه بهذه الكلمات، فنحن جميعاً كائنات تذهب إلى نهايتها في آخر الأمر، نحن وهذه المدن.