تذكرت أحد فلاسفة اليونان اليوم وأنا أقرأ تعليقاً حاولتْ كاتبتُه، وهي روائية عربية جميلة، أن تقارب بين بعض ما أشار إليه أبيقور وبين ثقافة استعراض الترف التي تنميها وسائط التقنية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأبيقور هو فيلسوف يوناني عاش قبل الميلاد بأكثر من 340 عاماً، وتنسب له مدرسة فلسفية كاملة تعرف بالفلسفة الأبيقورية، يقول البعض إن أفكارها تدعو إلى الانغماس في الملذات، بينما يعارض الكثيرون ذلك مفندين أفكار الفيلسوف بأنها على العكس تماماً، فقد كان حسب تحليلهم رجلاً يرى أن السعادة الحقيقية تأتي من البساطة، وهدوء النفس، والتحرر من الخوف والقلق، لا من الإفراط في الترف!
وأبيقور مثل فلاسفة كثر ومفكرين ومصلحين، هاجموا ثقافة الاستهلاك والترف المبالغ فيه، معتبرين أن هلاك الأمم وفساد الأخلاق سببه الإفراط في الترف والملذات الحسية، مستشهدين على ذلك بقراءات عميقة لتاريخ نشوء وسقوط الدول والإمبراطوريات، فالإمعان في حياة القصور، والانغماس في ملذات حياة لا تعرف العمل والجد، والمبالغة في استهلاك أكبر قدر من المتع، أفرغت خزائن الإمبراطورية الفرنسية ودفعتها للسقوط، كما تسببت في ثورة البلاشفة، ونهاية العديد من الدول.
اليوم تدفع التقنية معظم رواد مواقع التواصل لحالة من الاحتفاء بالممتلكات ومظاهر الترف التي يمتلكونها، ما يكرس شيوع ثقافة الاستهلاك وإعلاء شأن الأموال والثروات والممتلكات كدليل على الحياة السعيدة والمكانة العالية واللائقة، وهذه مقولات ليست صحيحة ولا دقيقة بالمطلق.
لم يتحدث أبيقور بالتأكيد عن السوشال ميديا، لكنه تحدث بوضوح عن التفاخر، والتظاهر، والسعي وراء المظاهر الخارجية بوصفها أشياء تُربك النفس بدل أن تمنحها السكينة، فكان يرى أن الإنسان يخطئ حين يظن أن السعادة تأتي من الأشياء التي يراها الناس ويعجبون بها: كالمال، المكانة، الشهرة، والمظاهر المادية؛ لأن هذه كلها رغبات «غير ضرورية» يمكن للحياة أن تستقيم وتستمر بدونها، بل قد تتحول إلى عبء وإلى شكل من أشكال الخواء والخراب والضياع إذا أسرف الإنسان في الاندفاع فيها.
كان يقول: «الثروة الحقيقية ليست في امتلاك الكثير، بل في الاكتفاء بالقليل»، كما يرى أن من يحتاج إلى استعراض ما يملك غالباً لم يصل إلى الطمأنينة الداخلية بعد، لأن من يشعر بالامتلاء لا يحتاج إلى أن يثبت نفسه للآخرين باستمرار. وهذا ما يقوله الكثيرون اليوم، من أن هذا الاستعراض المبالغ فيه للممتلكات واليخوت والسيارات والثياب و... ليس إلا دليلاً على نقصٍ يحاول صاحبه التغطية عليه أو سد ثغراته.