يحلو للكثيرين السفر قبيل العيد مباشرة، وليس لدي موقف من ذلك، فالسفر حرية شخصية كما هو احتياج وضرورة أحياناً، وقد صار الترتيب لمواعيده يتم في أحيان كثيرة وفق ترتيبات لها علاقة بمدارس الأولاد ومواعيد الامتحانات وترتيبات إجازات الزملاء في العمل، وفيما إذا كان الراتب قد بقي منه شيء لهذه المتعة الخالصة أم أنه ذهب إلى غير رجعة لتلبية متطلبات البيت والأبناء وغير ذلك.

ولقد سافرت قبيل العيد وخلال أيام العيد مرات كثيرة، وقضيت أعياداً في بلاد كثيرة (لبنان وتركيا وأمريكا ولندن وألمانيا) فلم أشعر بالعيد ولا بجمال لحظاته إلا وسط العائلة وتجمعاتنا في صباحاته العذبة مهما كانت درجة حرارة الطقس، فأصوات الإخوة والأخوات وهم يتوالون دخولاً للسلام والمباركة بُعيد صلاة العيد، والبيت يعبق برائحة العود والأطياب كلها، وصوت الوالدة تدعو وتبارك الجميع، هذه واحدة من أكثر اللحظات التي يستمد العيد جماله وقداسته منها بالنسبة لي، لكن التبدل والتغيير من سنن الحياة ونواميس الدنيا.

عدت ذات مرة من سفر خلال شهر رمضان، دخلت البيت وقت الإفطار تماماً، وكنت قد غادرت بريطانيا (حيث كنت أدرس) في الصباح، كانت الرحلة طويلة ولم أفطر، لكنني وضعت بضع تمرات في حقيبتي لتناولها حين يحين موعد الإفطار أينما أكون، لم أفطر حتى وصلت إلى دبي، حملتني سيارة المطار إلى البيت، وقبل أن أدخل تناهى إلى مسمعي رنين ضحكات إخوتي وهمهماتهم مع والدتي، وجدوني أقف أمامهم بشكل مفاجئ فصمتوا ظانين أنهم يرون شبحاً، أخبرتهم لاحقاً بأنني قررت ترك الدراسة هناك لأنني لم أحتمل البقاء في بريطانيا!

قبل سنوات كنت أقضي يوم وقفة عرفة أتابع تفاصيل هذا اليوم عبر التلفزيون في غرفتي في أحد فنادق ميونخ، وفي الصباح قررت وصديقتي أن نقضي العيد في مدينة «فيرونا» التاريخية، حيث يقع منزل جولييت، المزار الأشهر هناك. في المقهى المقابل للفندق جلسنا لتناول الإفطار بينما وقفت سيدة طاعنة في السن تنقل عينيها بين الناس، دعوناها لتشاركنا الإفطار، أحضرنا لها القهوة وتبادلنا معها الحديث والضحك، ثم غادرنا، فغادرت معنا، اتضح أنها مسافرة على الرحلة نفسها، لكنها توقفت في مدينة أخرى.. أحسسنا بدفء العيد لمجرد مشاركة الصباح والإفطار مع تلك العجوز!