تعرفت على أدب الروائية الإنجليزية دوريس ليسينج أيام دراستي للماجستير عام 2012، وبطريق الصدفة أثناء بحثي بين الكتب، ومنذ قرأت أول كتبها منذ 14 عاماً، وأنا أجد رواياتها وتأملاتها الفلسفية في غاية الأهمية والإنسانية، بحكم الفترة الزمنية التي عاصرتها والدول التي تنقلت فيها بسبب عمل والديها والأنظمة السياسية التي سادت في تلك السنوات البعيدة، ما قبل الحرب العالمية الثانية.

في كتابها (سجون نختار أن نحيا فيها) الصادر عن المركز القومي للترجمة في مصر مع دار العين، تناقش دوريس (وهي بالمناسبة حاصلة على جائزة نوبل للأدب) كيف يتحول الإنسان دون أن يشعر إلى سجين لأفكار الجماعة، والخوف، والأيديولوجيا، والعادات الذهنية، والصورة النمطية أو التاريخية عن نفسه أو عائلته، والأمر ينطبق في الوقت نفسه على الأمم والشعوب والحضارات.

عنوان الكتاب نفسه يحمل فكرته الأساسية التي تؤكد عليها الكاتبة والتي ربما يعرفها كثيرون منا وهي أننا لا نُسجن دائماً بالإكراه وقوة السلطة وأحكام القضاء، بل إن كثيرين يختارون سجونهم طائعين وبإرادتهم، لكنهم حتماً يكونون تحت ضغط الإيمان بهذا السجن والاعتقاد بعظمته ليس باعتباره سجناً ولكن لأنهم يرونه فكرة وعقيدة نبيلة يحبون أن يسجنوا فيها إلى الأبد! يحدث ذلك حين يتخلى الإنسان عن التفكير الحر، ويذوب داخل الجماعة ومروياتها وتصوراتها.

فالإنسان الذي يظن نفسه حراً ومستقلاً وصاحب رأي، قد يكون في الحقيقة سجين أفكار خاطئة تجاوزها الزمن وأصبحت عبئاً أو صارت تشكل خطراً عليه وعلى تقدمه وحياته، إلا أنه إذا لم يخضع أفكاره لمنهج المراجعة فإن الجماعة تلتهمه وتحكم الخناق عليه، ويصبح من الصعب عليه أن يخالفها، لأن المخالفة الصريحة قد تشكل خطراً حقيقياً عليه، إضافة لإكراهات السياسة، وغسيل الدماغ الذي يمارسه الإعلام، والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وقوميته التي تحوله إلى شخص شوفيني ضيق النظرة، وحتى الأصدقاء والعائلة يلعبون دورهم كحراس لهذا النوع من السجون!

وحتى لو لم تذكر ذلك صراحة في كتابها، فإن دوريس تناقش كذلك كيف تعمل الصورة النمطية للشعب والأمة في سجنهما داخل سجن العظمة والإمبراطورية والمجد و... غير ذلك مما يجر عليهما الكثير من الخسائر والويلات.