لولا تلك الأعمال الأدبية العظيمة والخالدة التي كانت مقررة علينا في منهاج اللغة العربية، ما كنا شغفنا بقراءة كلاسيكيات الأدب العربي والعالمي على حد سواء، وما كانت تلك الأسئلة الإنسانية التي تمس الوجود والحياة والإنسان قد مستنا وسكنتنا وشغلتنا لنبحث عن إجاباتها في المزيد من الكتب والكثير من البحث والسفر.
تلك الأعمال العظيمة وفي عمرنا الصغير ذاك كانت توسّع خيالنا الأخلاقي. فهي تجعلنا نعيش حيوات لا تشبه حياتنا، فنرى العالم من داخل تجارب مختلفة ثقافياً واجتماعياً وإنسانياً. هذه القدرة على التخيّل والتعاطف أصبحت اليوم ضرورة في عالم سريع، واستهلاكي، ومشحون بالأحكام السطحية. الأدب العظيم يمنح الإنسان مساحة للتأمل، كي يفكر بدل أن يكتفي بردود الفعل السريعة واستهلاك الثقافة كوجبات سريعة لا قيمة لها.
ندين لتلك المناهج ولتلك الأيام بالكثير مما نحن فيه اليوم من وعي ونضج وشغف، ولذلك نطالب أهل التربية والتعليم وواضعي المناهج في جميع مراحل الدراسة بالاهتمام بهذا النتاج الإنساني العالمي ووضعه بين أيدي الطلاب منذ المرحلة الابتدائية، بحيث يكون لكل مرحلة ما يناسبها، فقد بالغنا في إهمال تسليحهم بالمعرفة والقراءات الحقيقية الرصينة، وتركناهم نهباً لتفاهات نتفلكس والسوشال ميديا والألعاب الإلكترونية التي ربت في داخلهم وحوشاً من العنف والميل للصراع والقتل والفوضى.
في مراهقتنا المبكرة قرأنا الوعد الحق لطه حسين وهاتف من الأندلس لعلي الجارم وعبقرية خالد بن الوليد لعباس العقاد وتاجر البندقية لشكسبير.. هذه أعمال ضخمة وصعبة وذات مضامين وأسئلة كبيرة، حين قرأناها ونقشناها في الفصول الدراسية، فإننا لم نكن نتعلم أو نقرأ قصة أو حكاية كتلك التي قرأناها في طفولتنا التي تفتحت على قصص المكتبة الخضراء، بل إننا كنا نتعرف إلى الطريقة التي فكّر بها البشر في مصيرهم ومعنى وجودهم عبر عصور مختلفة. يومها تعلمنا أن الأدب تدريب حقيقي على فهم النفس والآخر، لا مادة للحفظ والامتحانات!
لذلك فإن دراسة كلاسيكيات الأدب العالمي، العربي والغربي، ليست ترفاً ثقافياً ولا مجرد حنين إلى الماضي، بل هي جزء أساسي من تكوين الإنسان نفسه. فهذه الأعمال لم تبقَ حيّة وتستمر عبر القرون لأنّها قديمة وتراثية، بل لأنها استطاعت أن تمسّ أسئلة الإنسان الكبرى حول الخوف، السلطة، الحب، العدالة، الحرية، العزلة، الطموح، الهزيمة، الوطن، الشرف، العائلة، الجريمة، العقاب...