من واحد من هذه الملايين التي تتحرك في فضاءات المدن، يستيقظون من نومهم صباحاً وهم يشعرون برغبة ملحة تسيطر عليهم وكأنها حشرة تسللت إلى داخل أدمغتهم وبدأت في حفر مكان لها، وعندما تصل الفكرة لهذا الحد من السيطرة عليك، فلا يمكنك التخلص منها ما لم تقم بتنفيذها، لذلك يقول الروائي الإسباني (خوان خوسيه مياس) إن الكثير من الناس غالباً ما يتوقفون في منتصف العمر، ليلتفتوا خلفهم بخيبة، وكأن العمر مضى بهم دون أن يعيشوا الحياة كما تمنوها، وعندها تنهض تلك الفكرة، فكرة أو قرار القيام بأمر بسيط لكنه سيغير مجرى الحياة!
هذا ما تقرره معظم النساء بطلات روايات مياس، فبطلة روايته الشهيرة (هكذا كانت الوحدة) تقرر فجأة وبعد وفاة والدتها المباغتة وعثورها على دفتر مذكراتها، وشكها في خيانة زوجها، أن تستأجر رجلاً يقوم بمراقبته ورفع تقرير يومي لها دون أن يعرفها أو يلتقي بها، وحين تمل اللعبة تطلب منه أن يراقبها هي نفسها! إنها الوحدة وما تفعله بالبشر!
أما «لوث أكاسو» في رواية (امرأتان في براغ) فقد قررت أمراً آخر، أن تشترك في ورشة كتابة سيرتها أو مذكراتها الشخصية من خلال ورشة تنظمها وكالة أدبية، تقنع الجمهور بأن البشر في كل مكان ينقسمون إلى نوعين في علاقتهم بالكتابة والحكايات فنصفهم يحبون أن يحكوا قصصهم للآخرين، أما النصف الآخر فيميلون للتكتم على أسرار حياتهم لأسباب مختلفة، لكنهم يسعون دائماً للتلصص ومعرفة أسرار وحكايات الناس بدافع الفضول أو التعويض أحياناً!
وبالفعل تذهب المرأة للورشة لتتعلم كيف تكتب سيرة حياتها الغريبة، فهل سيهتم أحد بسيرتها فعلاً؟ وهل ستتمكن هي بغرائبيتها ومزاجها النكد ووحدتها من كتابة سيرة أو حكاية يود أحد أن يقرأها فعلاً؟ وبالمناسبة فالمرأة أرملة إضافة لكل هذه المزاجية السيئة التي تتصف بها!
ستكتب ألكسو عن الأبوة والتبنّي لأنها تقول «إننا جميعاً تخيّلنا ذات مرة فكرة أننا لقطاء، لكننا طردنا هذه الفكرة اللعينة». لكن اللقطاء هنا الذين ستكتب عنهم ليسوا اللقطاء التقليديين، ولكنهم لقطاء يرفضون آباءهم الحقيقيين متخيلين آباء جدداً يعوضونهم عن طفولة مكسورة خلفت فيهم شعوراً دائماً بالخيبة.