كنت أظن أن كلاسيكيات السينما والأدب والملابس شأن يخص أجيالاً متقدمة في العمر، أجيال الخمسينيات والستينيات مثلاً، فقد عاصرت هذه الأجيال تألق السينما وسطوع الأسماء الكبيرة من الفنانين والمطربين والمدارس الفنية والمسرحية، إضافة لأعظم ما أنتجته السينما من أفلام، وما قدمته من مخرجين وممثلين وتوجهات، اعتبرت في تلك الأيام مدارس شكلت مسيرة الفن السابع، وأثرت في الملايين حول العالم.

لقد قدمت السينما أسماء يتم الحديث عنها اليوم باعتبارها أيقونات لن تتكرر، وصنعت أفلاماً لا تقل عظمة وتأثيراً عن الروايات العالمية التي كتبت تاريخ الأدب، وسجلت عظمته، وكما نالت هذه الروايات جوائز نوبل، حظيت تلك الأفلام بجوائز الأوسكار الخالدة!

كنت حتى وقت قصير أظن أن أجيال اليوم لا علاقة لها بكل هذا الإرث، ليس انتقاصاً ولا تشكيكاً في ثقافة هذا الجيل، ولكن لاعتبارات تعود لعامل الزمن، وطبيعة الحياة والواقع والاهتمامات، فالفن لا يزال موجوداً، ويتدفق باستمرار، رافداً الحياة الثقافية بالجديد في كل يوم، لكن ما ظهر في سنوات الخمسينيات وما بعدها، شكل حجر الأساس والانطلاقة التي بلا شك تختلف عما يليها، فكل ما كان في البدايات، ولأسباب تعود لطبيعة الزمن والجمهور والقضايا المطروحة، تعتبر مختلفة، وذات عمق وحساسية ورسالة مغايرة جداً!

فأم كلثوم وفيروز ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم و.. وفرانك سيناترا ومايكل جاكسون وألفيس بريسلي وريتشارد جير، وفاتن حمامة وشادية، وميريل ستريب وأنطوني هوبكينز وألان ديلون، ونجيب محفوظ وماركيز ودرويش و... يختلفون تماماً عن جيل هذه الأيام من الفنانين والمطربين، يختلفون في أمور كثيرة، لكن طبيعة العصر شكلت بلا شك عاملاً مهماً في خلق هذا الاختلاف!

لكنني رغم قناعتي هذه، إلا أنني وجدت من بين الشباب الصغار من يهتم بالأدب الكلاسيكي والسينما الكلاسيكية، ويقرأ حول الأفلام القديمة، ويسارع لحضور فيلم تقوم ببطولته نجمة كلاسيكية من طراز رفيع، مثل ميريل ستريب في 76 من عمرها، فيهرع شباب في نهاية العشرينيات لمشاهدة فيلمها الأخير! يبدو لي أننا جميعاً بحاجة لفترة من الهدوء، نلتقط فيها أنفاسنا، ونحدد خياراتنا بعد لهاث طويل، ولسنوات كثيرة عشنا فيها فوضى الخيارات والاختيارات!

هذا الجيل، ابن التقنية، ونتاج مدن ما بعد الحداثة، هو أكثر انفتاحاً وذكاء بلا شك. وهذا جدير بأن يجعله يختار بشكل عقلاني أكثر، بعد أن يجرب كل الغثاء المعروض أمامه في كل الواجهات!