السفر يغيّرنا ويوسع مداركنا ويفتح لنا نوافذ نحو آفاق أجمل وأكبر في التجربة الإنسانية والممارسات ومعرفة البشر، لكن هذا التغيير يبقى أحد الوجوه المتوقعة من السفر، أما ما قد لا نلتفت إليه فهو ذلك التغيير الذي تحدثه في أعماقنا تجربة السفر دون أن ننتبه، حيث تجرّدنا من الطبقات التي اعتدنا الاختباء خلفها في حياتنا اليومية، عندما نكون محاطين بعاداتنا، وبأشخاص يعرفوننا بطريقة معينة، وبأمكنة تحفظ أماننا وردود أفعالنا مسبقاً. كل ذلك يصنع فينا وهماً بالتماسك، حتى نظن أننا نعرف أنفسنا جيداً، والحقيقة هي أننا اعتدنا أنفسنا أكثر مما عرفناها، لذلك ما إن نغادر هذا الإطار حتى تبدأ الشقوق الخفية بالظهور.

في السفر نفقد «النسخة المعتادة» من ذواتنا، فلا نعود أبناء المدينة التي نعرف شوارعها، ولا الشخص الذي يملك إجابات جاهزة عن كل شيء. نصبح أكثر هشاشة، وأكثر انتباهاً. هنا تبدأ النفس بالكلام، وهنا نعرف على وجه الدقة أن معظم معرفتنا ليست سوى أوهام متراكمة محبوسة في صندوق في دواخلنا. وبحسب ما يعمل هذا العقل، وأحياناً بحسب ما نرثه من جينات مختلطة يتأسس ذلك العالم المتخيل فينا وتنبني مخاوفنا وخيالاتنا. إن لكل منا فكرته الخاصة عن كل شيء، وعلاقتنا بالواقع تنحت تلك الفكرة، لتبلورها حسب خبراتنا!

فكيف يجعلنا السفر نكتشف أنفسنا وأزماتنا وأعطال أرواحنا ونفوسنا ومن حولنا؟

في مدن غريبة قد تكشف خوفك من الوحدة، وأمام لغة لا تفهمها قد تكشف هشاشة ثقتك بنفسك، إما تأخر القطار، وإما ضياع الحقيبة، وإما ليلة صامتة في فندق بعيد... أشياء صغيرة لكنها تضعك أمام أعطالك الداخلية دون تجميل. السفر أيضاً يفضح أوهامنا عن الآخرين، فنكتشف أن البشر متشابهون في هشاشتهم رغم اختلاف اللغات والثقافات، وأن كثيراً من الصور المسبقة التي نحملها ليست إلا بناءات ذهنية ورثناها أو صنعناها لأنفسنا. أحياناً لقاء عابر مع غريب في محطة قطار يعلّم الإنسان عن الرحمة أكثر مما فعلت سنوات من الكلام النظري.

لهذا يبدو السفر أحياناً مرهقاً نفسياً رغم جماله؛ لأنه لا يقدّم لنا العالم فقط، بل يقدّمنا لأنفسنا أيضاً. ولهذا كتب كثير من الأدباء عن السفر باعتباره مواجهة وجودية لا سياحة فقط، لأن الإنسان حين يبتعد عن بيته يقترب أحياناً لأول مرة من حقيقته.