معارك كثيرة تجري على جميع المستويات، يتعالى ضجيجها، ويتطاير شررها، وتضطرب معادلاتها وتأويلاتها، بين الجيوش كما بين السياسيين وفي الاقتصاد كما في الصناعة والثقافة وبين المثقفين، ولعل التوتر وتأزم الأمور لا يحلها أحياناً سوى انفجار الوضع ونشوب الحرب، فالحرب كما يقول دهاة السياسة هي إحدى وسائل الدبلوماسية وحل الأزمات!

ولكن كيف يتحارب المثقفون، أو كيف هي الحرب في ميدان الثقافة؟ أظن أن السؤال الأول والبديهي ليس في معرفة الكيفية ولكن في تتبع الأسباب التي تدفع لتأزم العلاقات، ولقد تابعت منذ زمن تفجر أزمة كبيرة بين كاتب وآخر، شنها أحدهما على الآخر بطريقة فجة جداً بل وقاسية، استخدم النقد مدخلاً، أو وظّف النقد للوصول إلى هدفه، لكنه أخطأ في استخدام الوسيلة وفي إصابة الهدف، وبدل أن يستعدي جمهوره على ذلك الكاتب انقلب الناس ضده وهاجموه لأن الطريقة كانت في غاية القسوة والتجاوز كما قلت، وخرجت عن حدود النهج الأخلاقي والمنهجي الذي يقتضيه النقد على حدته وصرامته!

النقد قراءة أخرى للمنتج الأدبي بأدوات ومعايير موضوعية، وحين يتدخل الهوى والأغراض الشخصية ينحرف النقد ويفقد بوصلته ويصير الناقد هنا كأنما يصفي حساباً شخصياً أو يهدف إلى لفت الانتباه لشخصه والتكسب من وراء ما يقوله، أي للحصول على عمل أو شهرة أو مكانة وإشادة وأضواء، لكن لماذا يلجأ بعض المثقفين لذلك أحياناً؟ ولماذا انحرف النقد عن مساره وتأزمت أخلاقيات بعض المثقفين في بعض المجتمعات؟

يعيش المثقف في كثير من البلدان أوضاعاً مأزومة تعود لعدة أسباب: كتدني المستوى الاقتصادي للمثقف، وانخفاض هامش الحريات، ورداءة منظومة التربية والتعليم، وتآكل منظومة القيم والأخلاق، إضافة لاختفاء الطبقة الوسطى بكل تأثيراتها ودورها في التوازن المجتمعي.

لذلك فالمثقف لا قيمة ولا موقف له في كثير من المجتمعات، لذلك نجد لدى بعضهم جوعاً للمال وبعضهم جوعاً للسلطة والمكانة والأضواء والدور، فيخترع هؤلاء طرقاً عجيبة ومفضوحة للفت الانتباه والحصول على ما يسد جوعهم هذا!