أن تنتظر صديقاً تأخر عليك ربع أو نصف ساعة، ربما أكثر أو أقل، فهذا أمر خبرناه جميعنا، وصرنا نتعامل معه بحسب موقع ذلك الصديق منا، وتقديرنا لسبب التأخير، فأحياناً يقع بعضنا تحت وطأة ظروف قاهرة تجبره على التأخر أو توقعه في مأزق تفويت مواعيد ولقاءات مهمة، وفي مدن دائمة الزحام، وفي طرقات لا تدري ماذا يمكن أن يحدث لك من غير توقع، تبدو مسألة التأخير واحدة من إشكاليات وأزمات الحياة اليومية التي تتسبب في الكثير من المشاكل والورطات والخسائر أيضاً!

نحن نعيش في مدن مزدحمة على الدوام، منذ أن تفتح الشمس عينيها وحتى يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، مدن لا تنام، تعيش على إيقاع ازدحام المطارات، ومحطات المترو والمراكز التجارية، ومواقف السيارات، والشوارع الرئيسية والفرعية، كيف تختلط منبهات السيارات بطوابير موظفي خدمات التوصيل السريع على دراجاتهم النارية، وهذه ليست دليلاً على حيوية هذه المدن ونموها الاقتصادي فقط، ولكنها مؤشرات على مقدار هائل من الخسائر المادية والصحية والنفسية تترتب على هذا الازدحام، هكذا يرى علماء الاجتماع والسلوك الوجه الآخر من ظاهرة الانتظار والزحام!

من زار بانكوك والقاهرة وإسطنبول و... يعرف معنى وطأة الزحام وتأثيراته، ويقدّر حالة الأشخاص الذين ينتظرون آخرين عالقين في هذه الازدحامات القاتلة! وعلى ذكر الانتظار، ربما أننا مخلوقات نقيّم الحياة ونعيشها ونفهمها من خلال الكلمات والحكايات ومرويات الكتّاب العظام، فإن أشهر عمل تناول فكرة الانتظار كان رواية (ليس للكولونيل من يكاتبه) لغابرييل غارسيا ماركيز.

في هذه الرواية القصيرة جداً والمكثفة، والأشبه بقطعة موسيقية حزينة، يتجلى الانتظار العبثي وتوضع الكرامة على المحك في مقايضة بائسة مع الفقر!

إن شخصية الكولونيل في الرواية لا تمثل نمط «البطل التاريخي»، بل هو مجرد رجل عجوز فقير يعيش مع زوجته في بلدة رطبة خانقة، وينتظر رسالة تقاعد حكومية لا تصل أبداً. كل أسبوع يذهب إلى الميناء مدججاً ببدلته العسكرية ونياشينه منتظراً البريد، وكل أسبوع يعود بخيبة جديدة.

يتحدث ماركيز من خلال كولونيله عن الانتظار بوصفه أسلوب حياة ضاغطاً على هذا الرجل، حيث لا حل آخر لديه، وهنا تكون كرامته في مواجهة الإذلال والفقر مقابل الأمل العنيد رغم الحالة العبثية.