الخسارات التي نتعرض لها في حياتنا كثيرة ودائمة، بل إنها لا تتوقف حتى ظن الإنسان منذ وعى هذا الاختبار القاسي، أنه إنما جاء إلى الحياة ليُبتلى ويجرب الخسارات في جزء من أسباب وجوده الكبرى، لذلك قال الشاعر قديماً:
كَأَنّا خلقنا للنوى وكأنما
حرام على الأيام أن نتجمّعا
وتتعدد أشكال الفقد أو الخسارة في حياة الإنسان، بدءاً بالبعد عن الأحبة، أو التنائي عنهم، كما جاء في قصيدة ابن زيدون الشهيرة لحبيبته ولادة بنت المستكفي:
أَضحى التَّنائي بديلاً مِن تدانينا
وَناب عن طيب لقيانا تجافينا
إلى فقدهم ورحيلهم عنا، وإلى خسارة المال والأوطان، وفقدان الأصحاب، والأمان، والأحلام، والعمر بكل زهوه وألقه. هذا الخط المؤلم للخسارات إذا ما مدّ على استقامته وحتى آخر مداه، سيجد الإنسان نفسه في مواجهة مع فكرة ثابتة لا مجال لتلافيها: الفقد والخسارة، ربما ليعرف الإنسان أن تمام وجوده الإنساني لا يكتمل بما يتحصل عليه، ولكن بما يخسره!
في روايتها «سر الزعفرانة» تحكي الطفلة (نفلة) للعجوز حكايتها مع فقْد والدتها وقبيلتها وأهلها وأرضها، بغضب طفلة كانت تشتكي، بينما العجوز تهدّئها بحكمة العمر قائلة:
(ستكبرين وتعرفين كيف يختبر المؤمن في هذه الحياة بالمحن، ما يزال هناك الكثير)! ومع تسليمنا أو إيماننا بحكمة الفقْد، إلا أن الفقْد ليس موضوعاً سهلاً أو بسيطاً يمكننا معالجته في مقال أو عمود أو قصة، إلا أن ذلك لا يمنعنا من مقاربته والحديث عنه، كجرح غائر لا بد من تعريضه للهواء ومعالجته كي لا يتسمّم ويسمّمنا، فالبعض يقتلهم الفقد ليس مجازاً، ولكن بالمعنى الحرفي للكلمة!
حين أدرت رقم الهاتف لأتصل بصديقة في بلد عربي يتعرض لنكبات لا تكاد تنتهي، جاءني صوتها بلا صوت، بلا لون وبلا حياة، كان صوتاً تائهاً غائباً فقد رونقه وحدّته وبصمته التي أعرفها، وكنت قبل أن أتصل قد سألت نفسي عشرات الأسئلة ماذا يمكن أن يقال لأم فقدت وحيدها هكذا في غمضة عين، بعد أن ارتدى ثيابه وحماسته وضجيج الشباب في قلبه وبسمل وتوكل ليساعد من يحتاج إلى مساعدة، فجاءها خبر موته في موقع سقوط نيزك أنهى الحياة كلها في قلبها. هكذا يكون الفقد.. هكذا!