يثير اشمئزازي قبل غضبي قارئة أو قارئ نشرة الأخبار اللذان يصران على رسم ابتسامة بلهاء على وجهيهما وهما يقرآن أخباراً ليس بينها خبر واحد مثير للابتسام، فكلنا في الهم شرق، والشرق مبتلى إما بأنظمة فاشلة وإما أنظمة ديكتاتورية قمعية مأزومة، وإما أنظمة بلا تخطيط للمستقبل وبلا إنجازات!

إن أخبار هذه الأنظمة هي ما يظهر جلياً في نشرات الأخبار، على شكل حروب وأزمات ومشاكل اقتصادية وفقر وخلافات وافتعال قطيعة مع هذا النظام وتلك الدولة.. ناهيك عن أزمات المناخ، الاقتصاد، الإرهاب، الاغتيالات السياسية، صراع البرلمانات والسياسيين، أزمات الطاقة، جنون إيران، جنون البقر...

هذه كلها أخبار لا تسر ولا تفرح، فلماذا ولمن يبتسم مقدمو نشرات الأخبار في معظم قنواتنا العربية الرسمية؟ هل ذلك مخافة أن يتهموا بقلة الذوق والتعالي على المشاهدين وبث الخوف في قلوبهم لو أنهم ظهروا مكفهري الوجوه أو غير مبتسمين مثلاً؟ الحقيقة أنه لم يطلب منهم أن يكونوا مكفهرين عابسين، لكن أيضاً من الغباء أن يكونوا مبتسمين! وهم يقرؤون أخباراً عن قتل وتدمير واجتثاث بشر وإزالة قرى من على الخريطة.

إن الأنظمة المأزومة تصدر أزماتها، وتحتل النشرات بأخبارها المرعبة، وهي أيضاً لا تدعو للابتسام، فلماذا الابتسامة الحائرة هذه التي تشبه ابتسامة قناع الجوكر؟ هل هي استجابة أو خضوع لتعليمات مخرج النشرة أو استدعاء لملاحظات سابقة تلقاها هؤلاء من مشاهديهم أو أصدقائهم تقول إن أشكالهم أجمل لو ابتسموا، أو ربما تذكروا عبارة أحمد زكي الشهيرة (اضحك الصورة تطلع حلوة) في الفيلم الذي يحمل العنوان نفسه؟

أرجوكم وأنتم تقرؤون: وقتل في هذه الغارة عشرة أشخاص وإعلاميتان ألا تبتسموا لأننا سنفهم أنكم شامتون! فوراء كل خبر ووراء كل ضحية يرد ذكرها عرضاً كجزء مكمل للخبر في نشرة الأخبار الباسمة، هناك مأساة بحجم حياة وعلاقات وتضحيات وعمر يذهب في غمضة عين لمجرد شهوة مجانين للقتل والحروب وافتعال الأزمات الكارثية! الحرب لا تختصر في خبر يقرؤه مذيع يحاول أن يكون مهذباً وهادئاً ومبتسماً أكثر مما يقتضيه الحال، الحرب كارثة إنسانية لا يمكن الإحاطة بحدود خسائرها وآلامها ومأساويتها!