زرت الكثير من دول العالم، وتعرفت على ثقافات وإبداعات لا حدود لها، وإرث متراكم ومتغلغل في مفاصل الحضارة الإنسانية يشهد على دورها وجهد أبنائها وبصماتهم في الفن والمعمار والموسيقى والصناعات المختلفة وفي الأدب والشعر والغناء والفلسفة وأنظمة الإدارة والسياسة.. الخ. ولطالما وقفت تملؤني الدهشة ويسيطر علي الإعجاب والانبهار أمام قصور الأندلس، وقصور أباطرة أوروبا، وموسيقى موزارت وبيتهوفن، وإبداعات فناني عصر النهضة الإيطاليين أمثال دافنشي ومايكل أنجلو، كذلك وأنا أسمع فيروز وموسيقى الرحابنة، وأم كلثوم وجموع الملحنين العباقرة الذين تواجدوا معها في اللحظة نفسها..

هذا التأمل يطرح سؤالاً مهماً: لماذا من الصعب إعادة إنتاج تجارب عظيمة وعميقة في الفن والأدب والموسيقى والفلسفة وغيرها كتلك التي ظهرت وشاعت في القرون والسنوات الماضية: مثل فناني عصر النهضة العظام، ومثل بروز عباقرة مثل بيتهوفن وموزارت، وكتجربة فيروز والرحابنة في الوطن العربي، وتجربة الكتاب الروس العمالقة، وتجربة السينما الإيطالية، وتجربة الفن المصري منذ بداياته وحتى الستينيات؟...

هل هناك خلل في تركيبة السؤال أم أنه يمكننا تعديل البناء العام للسؤال؟ حيث من المفترض (حسب ظني) أن هذه التجارب العظيمة يمكن «استنساخها» أو إعادتها أو حتى البناء عليها لإنتاج تجربة ليست بعيدة عن العظمة، لكنها مختلفة تتفق مع التحولات التي حصلت في كل مكان! لكن إذا توفرت الموهبة والإمكانيات والموارد والأسئلة، لأن تلك التجارب كانت كل واحدة منها إجابة على تحد أو سؤال وجودي عظيم.

وهنا علينا أن نستدرك أمراً مهماً، وهو أن فرادة اللحظة التاريخية وليس فقط الموهبة هي ما صنعت هذه التجارب العملاقة، ففي تجربة فيروز مع الأخوين رحباني لم تكن فيروز مجرد صوت جميل أو ألحان متقنة، بل فناً عمل على تشكيل الهوية اللبنانية بعد الاستقلال، مع إعلاء قيم الحنين والانتماء لكل التفاصيل اللبنانية، الطبيعة والإنسان والكرامة، مع الحفاظ على توازن نادر بين البساطة والشاعرية، هذا النوع من «التوازن» يولد من قلق جماعي وأسئلة وجودية في زمن معيّن.

الحقيقة فإن هذه التجارب لم تكن مجرد فن فقط، بل لحظة تاريخية كاملة تجسّدت في فن، ولهذا يصعب تكرارها كما هي، لكن من الممكن استعادتها والبناء عليها.