«نظرية عامة للنسيان» عنوان رواية للكاتب الأنغولي خوسيه إدواردو أغوالوسا، يقدم من خلالها حكاية غاية في الغرابة عبر واحدة من أكثر المعالجات فرادة لفكرة العزلة في الأدب المعاصر! عندما تقرر امرأة في منتصف العمر وانطلاقاً من خوف عميق في داخلها أن تبني جداراً يخفي باب شقتها فتعزل نفسها بذلك عن العالم الخارجي وما يحدث فيه، الغرابة ليست فقط في قرار العزلة المفاجئ، ولكن في الاستمرار فيها لما يقارب الـ 30 عاماً!

لقد طرق كثير من الروائيين قبل أغوالوسا فكرة الوحدة أو العزلة، كما فعل خوان خوسيه مياس في «هكذا كانت الوحدة»، واللبناني حسن داوود في «أيام زائدة»، وعبدالرحمن منيف في «شرق المتوسط»، وفرجينيا وولف في «إلى المنارة»، وديستويفسكي في «مذكرات قبو أو بترجمة أخرى مذكرات من تحت الأرض»، وغيرها من الأعمال التي قاربت ثيمة العزلة أو الوحدة.

في رواية «نظرية عامة للنسيان» يعالج خوسيه إدواردو أغوالوسا، العزلة بطريقته ويذهب عميقاً في تحليل دوافعها وعلاقتها بالتاريخ والجغرافيا والهوية، حيث تعاني البطلة لودو رهاباً من الخارج لسبب يعود لأيام مراهقتها المبكرة عندما تعرضت للاغتصاب، وحكم عليها من قبل عائلتها بالبقاء في المنزل، فنشأت معزولة عن الخارج، لكنها حين امتلكت قرارها اختارت أيضاً أن تعزل نفسها وتغيب أو تغيب الخارج عنها لتحمي نفسها، وذلك بسبب أحداث العنف التي نشبت في المدينة عام 1974 بسبب استقلال أنغولا عن البرتغاليين!

هذا الاختيار الوجودي جعل المرأة تلوذ بذاكرتها وتاريخها وقدرتها على البقاء لتستمر ثلاثين عاماً في شقة لا مخرج لها، وفي هذه العزلة نكتشف أن خوف لودو ليس مجرد رهاب اجتماعي، بل هو خوف حضاري من الآخر، ومن الفوضى التي يمثلها الخارج، خصوصاً مع لحظة الاستقلال وما يرافقها عادة من اضطراب، كما نكتشف حجم الكارثة التي قادها إليها هذا الخوف الذي اكتشفت بعد رحيل العمر أنه كان في جزء كبير منه ليس سوى وهم!

إن لودو وهي تبني جداراً حقيقياً يفصلها عن الخارج عبر إغلاق المنفذ أو الباب الوحيد للشقة، كانت كأنها تحاول: تجميد الزمن عند لحظة «آمنة» متخيلة، كما يفعل كثير من الناس في رفضهم للتغيرات التي تحدث في الواقع حولهم، وهذا يقودنا إلى مفارقة أساسية هي أن العزلة تبدأ كوسيلة نجاة، لكنها تتحول تدريجياً إلى شكل من أشكال الفناء البطيء.