في قصة (خوف بارد) يتمحور الحدث في استعادة ممتدة منذ اللحظة التي تدخل فيها بطلة القصة إلى قاعة العرض في السينما إلى زمن الطفولة البعيد جداً. في ذلك الزمن تتواتر الصور التي تحمل دلالات واضحة بقيت كامنة في اللاوعي، وبمجرد أن وجدت بعض المنبهات أو المؤثرات الخارجية في اللحظة الراهنة، وجدنا تلك الطفلة تحضر بصورها ومواقفها المؤلمة والجارحة.
كانت بطلة القصة وهي تعبر ممراً قصيراً يوصلها إلى مقعدها تعيش خوفها من الظلام المستقر في أعماقها منذ عشرات السنين عندما سقطت ذات يوم وانكسرت ذراعها، وتشمّ روائح الأطعمة المقلية التي يأكلها رواد السينما فتبرز من ثقوب ذاكرتها صورة ذلك الرجل الذي حاول اغتصابها ذات مساء وهي طفلة وحيدة في طريقها لمنزل ذويها.
تريد هذه القصة أن تقول عبر بطلة تستعيد زمناً ماضياً عبر علامات وتوترات في زمن راهن، إننا لا ننسى ولا نغفر بسهولة، وإن الذاكرة ليست حجراً مصمتاً، الذاكرة مليئة بالثقوب التي سرعان ما تتدفق جراحاتها عند أول صدام مع الواقع. الخوف أحد أكثر جراحات الطفولة وأشباحها الكامنة.
كانت السينما في القصة بطلاً آخر وليست مجرد مكان، والحقيقة أن السينما حل ومَخرج إنساني عظيم يمكنها أن تقدم حلولاً وآفاقاً ومعالجات قد لا تخطر على البال. إنها مثل الكتابة، طريق للاستشفاء والتعافي، طريق للمصالحة مع الواقع عبر تشريحه وفهمه، طريق للاعتذار بلغة السينما: بالصوت والصورة والإضاءة والموسيقى والحوار العميق الذي يختصر أكثر الأزمات والمشاعر الإنسانية في جمل محدودة، تقول كل شيء بهدوء ودون ثرثرة كثيرة أو صراخ، إن جملة واحدة في حوار سينمائي مكتوب بإحساس عالٍ محترف قد تفتح للمشاهد طريقاً نحو الإنقاذ والخلاص.
بين السينما والأدب علاقة عظيمة لم ينظر لها كثير من الناس بما تستحق فعلاً! لأن السينما في بلادنا لم توظف التراث الأدبي الكبير والعميق كما ينبغي، فانحازت نحو الخفة والتفاهة بحجة أن هذا ما يريده الناس أو تفضله الجماهير، وهي حجة لم تخدم سوى أصحاب مشروع ثقافة التفاهة وتفريغ الإنسان من قيمه ومضمونه الإنساني للأسف، وها نحن نرى ونعاني نتائج ذلك!