يقول الروائي الليبي هشام مطر في روايته الأخيرة «أصدقائي» عبارة لا يمكن للقارئ ألا يتوقف عندها (لندن المدينة التي أحاول جعلها وطناً طيلة العقود الثلاثة الماضية..

لندن مدينة ظلال، خلقت للظلال، لأناس مثلي يمكنهم العيش غير مرئيين كأشباح...)، ماذا يحاول هشام أن يقول في هذه الجملة؟ إنه يقدم لقارئه ما يشبه تعريفاً مجازياً للوطن، فهو ليبي يعيش لما يقارب الثلاثين عاماً في لندن، ومع ذلك لم ينجح في تحويلها إلى وطن بدليل قوله (أحاول جعلها وطناً)! فمن أين ينبع هذا الشعور؟ وهل هو شعور حقيقي أم أنه تعبير عن أزمة ذهنية وحضارية عند الإنسان؟

وهنا نسأل: هل كل هذه المحاولات الطويلة لجعل مكان ما يصير وطنك دون أن تنجح في مساعيك يعود سببه إلى رفضك للمكان أو تشبثك بوطنك بشكل أو بآخر؟ أم يعود للمكان نفسه بحيث إنه لم يحاول أن يقدم لك ما يقنعك به كوطن: الكرامة والاستقرار، والأمان والحياة الكريمة والمستقبل..؟

وهنا نأتي لتعريف الوطن، ليس التعريف الاصطلاحي، ولكن التعريف النفسي والمعنوي والاجتماعي، هذا التعريف الذي يختصره هشام مطر في عبارته.

حيث يقول لنا، إن الوطن لا تحتاج إلى جهد وزمن لجعله وطناً، فهو يولد قبلك ويكون وطنك قبل أن تكون مواطناً فيه، إنه لمجرد أن يكون وطن أسلافك الذين دفنوا فيه، وأرض آبائك ومصدر هويتك وفخرك، فهو وطنك دون أن تحتاج لأية جهود أو محاولات، بينما الأوطان البديلة تتطلب صفقة معينة، فتعطيها شيئاً لتمنحك أشياء، وتحتاج لزمن كي تتسرب تفاصيله وثقافته ولغته إلى قلبك!

ومثل الوطن، فالأمر ينطبق على الأصدقاء، ذلك أن الصديق لا يحتاج إلى جهود وإشارات وأمارات ليقنعك بأنه صديقك، خاصة في أيامنا هذه، حيث تتكون الصداقات في غيبة الوعي وطغيان الزيف عبر منصات التواصل، الصديق يحتاج زمناً مشتركاً تعيشه معه.

حيث تنسكبان خلال هذا الزمن في كل الآنية المتاحة: الأزمات والشدائد والمواقف والاحتياجات والآلام والأفراح.. وفي الوقت المحدد تعلم يقيناً حين يصطف الجميع أمامك من ذا الذي سيجري إليك بمجرد شعوره بأنك بحاجة إلى كتفه!