وأنا أتحدث إلى سيدة تعمل في مجال صناعة الكتب، ذكرنا عرضاً آخر روايات الكاتب الليبي هشام مطر (أصدقائي) التي كتبها مطر بنفس تأملي عميق سبر من خلالها أكثر المعاني الوجودية سيطرة والتباساً في نفسية وذهنية من يعيشون في بلدان الاغتراب كالصداقة والمنفى والهوية، لقد شعرت وأنا أقرؤها بأنني أستعيد حكاية آدم وأصدقائه في رواية (التائهون) لأمين معلوف.

قالت محدثتي إنها تعرفت إلى هشام مطر بشكل عابر، وإنها لمست مقدار تواضعه وأدبه الجم، فحضر أمامي أمين معلوف ثانية، حين التقيته في معرض أبوظبي للكتاب منذ عدة أعوام، لقد كان شديد التواضع، مرحباً ودائم الابتسام وهو يحيي قراءه ومعجبيه. يومها سألني أحدهم لماذا يتعامل البعض بعقلية النجم الذي لم يخلق مثله في البلاد، على تواضع مكانته، بينما نرى مبدعين حقيقيين في غاية التواضع والإنسانية؟ فقلت له هذا هو السبب! لأنهم حقيقيون!

تدور رواية (أصدقائي) لهشام مطر حول شاب ليبي يدرس في بريطانيا، يجد نفسه معلّقاً بين عالمين: وطنٍ يسكنه عبر الذاكرة والخوف، وغربةٍ قاسية تمنحه الحرية لكنها تسرق منه اليقين. وبينهما يعقد صداقات عميقة مع آخرين يعيشون الظروف ذاتها.

هشام مطر كما وصفته السيدة كاتب متحقق، ولد في الغرب، ويكتب بالإنجليزية وتترجم كتبه بالعربية، وفي كل رواياته يمد جسراً من حيث يقيم مع والديه، إلى حيث جذوره في بلاد العرب، إنه روائي مرموق، وحائز جوائز رفيعة، ومنتشر عربياً كما غربياً وفي لغات أخرى عديدة، لذلك فهو في غير حاجة لارتداء أقنعة زائفة، للحصول على تقدير واعتراف بطريق الإكراه، عبر التعامل الفوقي والغرور، إنه في غير حاجة لذلك أبداً، الذين يستجدون التقدير والمكانة وشعور الأهمية هم من يرتدون أقنعتها، أما الحقيقي فلا يرتدي أقنعة من أي نوع!

جماليات رواية (أصدقائي) كثيرة لعل أولها لغتها البديعة، وموضوعها شديد الإنسانية، وأسئلتها الوجودية القائمة أمامنا جميعاً، إنها رواية لا تتعامل مع الصداقة كعلاقة عابرة، بل كملاذ وجودي، مكان يختبر فيه الإنسان نفسه، ويعيد تعريف هويته خارج سلطة الوطن والسياسة. كما تكشف هشاشة هذه الروابط عندما يواجه المخاوف التي تضغط عليه، والاختلافات والأسئلة الأخلاقية.