ليست الدنيا سوى مدن، وليست المدن سوى بيوت وأمكنة تتسرب فيها أوقاتنا وأعمارنا، وما البيوت والأمكنة سوى أبواب، يختفي خلفها بشر ولقاءات وحكايات وقصص لا حصر لها.

على عتبات تلك الأبواب لطالما انتظرنا لنستقبل أحباباً وأهلاً وأصحاباً، وعلى العتبات نفسها وقفنا لنودعهم، فتشتعل قلوبنا بالحنين، وأيدينا بالعذاب، على حد تعبير السيدة فيروز في أغنيتها عن الأبواب.

أغنية الأبواب التي كتبها جوزيف حرب، وغنتها فيروز واحدة من أكثر أغاني الشجن جمالاً وعمقاً، فعلى طريقة الرحابنة العظام الذين كانوا يلتفتون إلى المعاني والمشاعر الإنسانية شديدة الدلالة فيقفون عندها ويستخلصون منها الكثير، ويحولونها إلى دائرة من المعاني والتأملات، وهو أمر لم يسبقهم إليه أحد، ولم ينافسهم أحد فيه كذلك.

ففي الوقت الذي غرقت فيه المدونة الغنائية العربية في بحر من أغاني الحب والهيام والهجر والحرمان والانتقام عبر العلاقة الأزلية بين الحبيب والحبيبة، تناول الرحابنة الحب بمعناه الوجودي العميق والواسع من خلال الأوطان، والأشجار، وطريق النحل، وطيارة الورق، والأطفال، والأبواب، ومقاهي العشاق، ومظلة المطر، والسيارة التي لا تمشي، «وعليا اللي عيونها حلوين»، و...

تتغنى فيروز بالأبواب لا باعتبارها جزءاً من ديكور المنزل، ولكن باعتبارها ذوات حية ناطقة، ومعبرة عن كل المشاعر الإنسانية والمواقف الفاصلة في حياة البشر:

في باب غرقان بريحة الياسمين

في باب مشتاق، وفي باب حزين

في باب مهجور أهله منسيّين

ها الأرض كِلّها بيوت

يا ربّ خلّيها مزيّنة ببواب

ولا يحزن ولا بيت ولا يتسكّر باب

صار الباب معادلاً طبيعياً وإشارة دالة على الفرح والحياة إذا فتح ولم يغلق، وظل الناس تدخل وتخرج منه، إنه باب غارق في رائحة الياسمين، غارق في صوت البهجة والحياة والضجيج والثرثرات، أما حين يغلق، حين ينسى أهله، فلا يدق بابه أحد، ولا تسمع من خلف جدرانه أصوات ضجيج أطفال وزغاريد نساء، وأضواء وثرثرات وخلافات.

فإن هذا الباب يبدو للناظر بوضوح أنه باب حزين مهجور ومغلق، وهذا ما لا نتمناه لأحد، ولا نريده أن يكون؛ لذلك ندعو مع فيروز أن تظل هذه الأرض عامرة بالسلام، مليئة بالبيوت، ومزينة بأبواب لا تحزن ولا تغلق أبداً.