سألتني صديقة اعتدنا هي وأنا على مدى سنوات طويلة أن نسرق ساعة أو ساعتين من واجبات والتزامات يوم العيد، مع العائلة والمهنئين والزوار لنجلس في مقهى قريب منا، نشرب فنجان قهوة، ونتحدث أو بمعنى أدق نثرثر، في أي شيء يخصنا أو أثار انتباهنا خلال الأيام التي لم نلتقِ فيها، المهم أن لا يكون لموضوع الحديث أي علاقة بما يحدث طوال الوقت حولنا من أمور السياسة والاقتصاد، بمعنى أننا كنا نعقد جلسة تطهير أو علاج نفسي لأرواحنا من كل ما علق بها من قلق وتوتر وخوف، حتى لو كان ذلك لمدة ساعتين فقط.

أترك صديقتي تتحدث وأنصت لها، وفي قرارة نفسي أقول إنها لا تريد أن تفهمني أو تشرح لي شيئاً، هي تريد أن ترى نظرة الاهتمام القصوى هذه التي تظهر بوضوح في عيني وتملأ وجهي، تريد أن تراني تطبيقاً واقعياً لعبارة «كلي آذان صاغية»، لقد اعتدنا أن نلتقي لننصت لبعضنا البعض، حاجتنا للإصغاء متبادلة، وضرورية، بمعنى أنه لا مجال لاستبدالها أو الاستغناء عنها، لأنها تشبه الحاجة للأمان والمكانة والحب! فهل يمكنك أن تستغني عن الحب؟ أو أن تستبدل الأمان والتقدير؟

ما يحدث أننا وسط الضجيج الحياتي اليومي ننسى الكثير مما هو ضروري ومهم، وهو ما يحدث دائماً، فنحن ننسى الاطمئنان على صحتنا، ننسى تواصلنا مع أمهاتنا وآبائنا وجيراننا، ننسى أن نلتزم ببرنامج النظام الرياضي والفحوصات الدورية، ننسى أن نقرأ، أو نسأل عن صديق قديم ضاع منا في وسط الحياة ومضينا كأن شيئاً لم يكن.. ننسى واجبات كثيرة علينا أن نؤديها، نعم، نحن ننسى لأن الإنسان مخلوق نسّاء، ومن ذلك أن ننسى الجلوس بهدوء مع شخص يشبهنا ونشبهه، ونصغي لصوت بعضنا البعض!

نحن أناس لم يخلقنا الله للضجيج والاستهلاك والرغبات المادية فقط، لقد خلقنا بمشاعر وأحلام وقلق ومحبة ورغبات وأفكار، ومن روح تسعى دائماً للسلام والأمان والطمأنينة لترتفع فوق الضجيج والتوترات والصراعات، فإذا لم يكن هناك مساحة للهدوء فيما يحيط بنا فلنبحث عنها، لنسعَ إليها، ذلك ليس رفاهية، تلك حاجة ماسة وتحديداً في الأوقات العصيبة!