نحن بلاد طقسها شديد الحرارة صيفاً، هذه حقيقة لا جدال فيها، لأننا نقع جغرافياً في نطاق مناخي حار، لذلك فإننا نهارات الصيف المتقدة بالحرارة والرطوبة العالية، وحيث الشمس منذ أول الصباح تبدو ككتلة نار لا تطاق، نلجأ لخيار السفر.

وتحديداً لمن استطاع إليه سبيلاً، ولذلك أرى دائماً أن أسفار الصيف عندنا ضرورة أكثر منها ترفاً حياتياً، لكن هل تساءلنا كيف عاش أهلنا قديماً في هذا الطقس الذي لا يطاق، مع العلم أن الكهرباء وأجهزة التكييف والثلاجات كانت غيباً لم يشق طريقه إلى حياتهم حتى بداية الستينيات؟!

في طفولتي المبكرة كان جهاز التكييف غير معروف في كل بيوت الحي، ولقد رفض والدي شراء جهاز تلفزيون، مكتفياً بالاستماع لخطب عبدالناصر من إذاعة صوت العرب، وأغنيات أم كلثوم من إذاعة دبي، وكانت الحياة تسير بشكل طبيعي تماماً.

عندما دخلنا المدرسة وعرفنا التنقل بالحافلة لم يكن هناك مكيفات كذلك، ولا أتذكر أننا قد واجهنا متاعب جراء ذلك أو أن إحدانا قد أغمي عليها بسبب الحرارة الشديدة، كل ما أتذكره أننا كنا نستخدم فصولاً وقاعات مدرسية وحافلة ونعيش في منازل خالية من رفاهية أجهزة التكييف.. وكانت الحياة تسير بشكل طبيعي!

جدتي ووالدتي وخالات جدتي الطاعنات في العمر يهرعن لظل الشجرة التي تتوسط الفناء يشتغلن ويحكن الثياب ويجهزن وجبة الغداء.

بينما كان الرجال في العائلة يسافرون ويصطادون ويلبون كل متطلبات البيت والعائلة، أما نحن الأطفال فكنا نعيش بشكل عادي، نصغي لحكايات الجدات ونتسلق شجرة الفناء، ونتصارع طيلة الوقت مع أطفال الحي، ونتعلم في مدرسة القرآن ونسبح طيلة أيام الصيف في البحر القريب من البيت.

هكذا كانت الحياة تمضي بسلاسة، ليس لأن الناس لا يشعرون بالحر وصعوبة الحياة، ولكن لأنهم على وعي تام بأن هذه طبيعة بلادهم وعليهم أن يصبروا ويحتملوا ويدعوا الله أن يغير حالهم لحال أفضل.

لقد صبر الناس كثيراً، وشكروا الله كثيراً، وهرعوا لأقرب ظل يتنسمون هواء بارداً متى توفر لهم ذلك، وحين يقدرون كانوا يسافرون إلى مناطق بعيدة في المنطقة الشرقية، لقد عاشوا الحياة بمنطق التعود والتأقلم والرضا فأسسوا لحيوات حافلة بالعطاء والتضحيات.