متى يصبح المقال جماهيرياً؟ أو كيف يستطيع كاتب المقال أن يحظى بنصيب وافر من اهتمام وإقبال القراء على مقاله ومتابعته بشكل يومي؟ يشكل هذا السؤال أهمية بالغة على مستويين: مستوى النجاح والتحقق ومستوى الاستمرارية، فما لم يحظ الكاتب بإقبال الجمهور وبالشعبية المطلوبة فإنه سيسقط سريعاً ولن يستمر!

في مقال الأمس كنا نتحدث عن الكاتبة الأمريكية المرموقة إيرما بومبيك، وشهرتها التي تحققت عبر عمودها الصحفي الساخر الذي اتبعت فيه أسلوب السخرية القائمة على الاعتراف بالضعف الإنساني وبلغة بسيطة ومباشرة، لكنها مشبعة بالمفارقات والتفاصيل (التفاصيل المنزلية الصغيرة التي يحب كل واحد منا أن يتابعها ويتلصص عليها لأنها تماثله أو تشبهه ربما)، دون أن تنسى التطرق إلى القضايا الكاشفة عن المعنى الأوسع للحياة.

هذا يعني أن القارئ ينتظر دائماً كتابة تشبهه وتشبه واقعه وتعبر عنه، كتابة بعيدة عن التغريب وتقمص ثقافات غريبة أو بعيدة، وسحبها إلى الواقع الذي ينطلق منه الكاتب، لذلك ذاعت شهرة بومبيك لأنها منحت الشأن اليومي العادي الذي يحصل لكل إنسان شرعية أدبية، وأثبتت أن المطبخ وغرفة الغسيل وطاولة الطعام يمكن أن تكون مسرحاً لفلسفة خفيفة الظل عن الوجود والعلاقات الإنسانية.

إيرما بومبيك لم تكن «فيلسوفة» بالمعنى الأكاديمي، لكنها قدّمت فلسفة يومية للحياة، مبنية على الاعتراف بالهشاشة والضحك على الفوضى بدل الهروب منها أو التعالي عليها، كانت مثلاً، ومن ضمن مقالاتها، ترى أن الحياة الحقيقية لا تحدث في اللحظات البطولية ومكاتب العمل المهمة ودوائر السياسة فقط، بل في التفاصيل الصغيرة مثل صراخ الأطفال، غسيل الملابس، فوضى المطبخ، تأخر الزوج عن العشاء..

وفلسفتها هنا أن المعنى يسكن التفاصيل التي نظنها تافهة. وهي بذلك منحت «الحياة المنزلية» قيمة رمزية كبيرة. فيما يخص السخرية فإن إيرما بومبيك لم تستخدم السخرية للتهكم، بل كوسيلة مقاومة نفسية. كانت تؤمن بأن الضحك لا ينقص من الألم، بل يجعله قابلاً للاحتمال. الفوضى اليومية، في كتاباتها، تتحول من عبء إلى مشهد كوميدي يكشف هشاشتنا المشتركة.