ماذا حدث للعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومنذ نشر جورج أورويل روايتيه «1984» و«مزرعة الحيوان» اللتين رأى فيهما أن العالم يعيش كارثة ديكتاتورية مخيفة ستقوده للنهاية؟ وها هو أمين معلوف يقول بعد أورويل بـ70 عاماً في كتابه «غرق الحضارات» إن أكبر النطاقات الحضارية في العالم ذاهبة للغرق فعلاً كما هو واضح في أيامنا هذه.
سيقول متفائل لا يرى الجزء الممتلئ من الكأس فحسب، ولكنه عامداً متعمداً، لا يريد أن يرى الجزء الكبير الفارغ منه، إن البشرية أصبحت أكثر تطوراً وأفضل حالاً! والحق أن هذا وأمثاله لا يودون أن يعرفوا أن كأس الحضارة الإنسانية قد شارف على جفاف قيمه، ليس بسبب الفضيحة الكونية المعروفة بملفات جيفري ابستين، بل إن الأمر بدأ قبل ذلك بكثير!
المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي يقول في كتابه (شروط النهضة) إن الحضارة لا تبنيها سوى الفكرة الروحية أو المثالية أو فكرة القوة، فالفكرة هي التي تتقدم السياق كله وتقود القافلة، وطالما بقيت الفكرة طازجة ومشتعلة في نفوس حامليها فإنهم سيسيرون في الطريق الصحيح، لكن ما إن تتراجع الفكرة وتضعف وتتلاشى، فإن المسار التصاعدي للحضارة يبدأ بالهبوط إلى أن تتلاشى تماماً كما حدث للحضارات الكبرى كلها على مر التاريخ.
إنه في الوقت الذي تفقد فيه الفكرة حضورها، وتغيب من المشهد حتى يهتز اليقين ويصبح كل شيء فارغاً ومحل شك، يبرز الصنم كبديل حتمي، صنم الماديات والشهوات والعبث والتجاوز، فينسى البشر لب الحضارة وجوهرها الإنساني والأخلاقي والقيمي ويركضون خلف كل عبث يلوح لهم تحت أعذار ومبررات لا حصر لها!!
هنا تبرز الثقافة الموازية أو البديلة! ثقافة لا تمت للثقافة الحقيقية ذات الأثر والفائدة، ثقافة تستمد أصولها وجذورها وتعاليمها من الخطايا الكبرى المدمرة: إشاعة الرذائل، وقتل الآخر والتسلط عليه والطمع بما عنده، ومن ثم السيطرة عليه وإبادته، ومنذ ساد عصر الاحتلالات الكبرى الذي اعتبرته أوروبا عصر الكشوفات والأنوار والحضارة تغرق ببطء. حتى جاءت انفجارات جزيرة ابستين لتعلن نهاية الحضارة رسمياً!