في كتابي «هوامش في المدن والسفر» كتبت عن تأثير السفر فينا، كيف يغيرنا وكيف يعيد تشكيل جزء من رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا، كيف يغيرنا هواء المدن، وكيف تستقر فينا تفاصيلها وتذكاراتها وطبيعة أهلها، تحدثت في هذا الكتاب بشغف من عشق السفر وخبره وسعى له سعيه، وعن الدهشة ولذة الاكتشاف التي يخلقها فينا، وعن البشر الذين نرتبط بهم، وعن المدن التي تفتح لنا قلبها قبل طرقاتها، فنحبها منذ النظرة الأولى، وتلك المدن التي لا تمنحنا مفاتيحها أبداً، فلا تحبنا ولا نحبها مهما حاولنا لذلك سبيلاً!

مع مرور التجارب وكثرة الأسفار والمدن التي ندخلها من باب ونخرج منها من أبواب، تتوالد في رؤوسنا الكثير من الأسئلة: كيف تتبدل علاقتنا بالسفر والمدن مع تقدمنا في العمر؟ كيف نرى تفاصيل المدن وآثارها وذخائرها وحكاياتها بعد تاريخ طويل مع الأسفار؟ وهل تبقي التجارب والأيام ذخيرة من البهجة ومتعة الاكتشاف فينا؟ هل يتبدل مفهوم السفر، أم أن عيوننا وحواسنا هي التي تتبدل وتتغير؟

الحق أننا عندما نسافر في البدايات، فإننا نذهب إلى المدن كمن يدخل قاعة سينما مضاءة أو مسرحاً عظيماً، فنعدّ المعالم، ونلهث خلف «ما يجب رؤيته»، نلتقط الصور لنثبت للآخرين وللأيام القادمة أننا كنّا هناك. المدينة في تلك الأيام كانت هي الحدث، والبهجة كانت صاخبة وسريعة تشبه العمر وتشبه المشاعر والأفكار التي تتزاحم فينا، الاكتشاف يومها كان يشبه الصدمة الأولى.

شيئاً فشيئاً، يحدث ما يشبه الانزياح والتراجع، نخفّف السرعة، ونتخلّى عن الكثير مما يستحق المشاهدة. نصير أقلّ فضولاً للأشياء المثيرة والصاخبة، وأكثر انتباهاً للأمور الهامشية: كمقهى قديم اسمه كافكا في براغ، وكنافذة مفتوحة على خليج تهب منه رياح باردة وعواصف، أو رجل متشرد يكنس الرصيف ويدخل المقهى الذي اعتدنا أن نشرب فيه قهوتنا باكراً لنحظى بمتعة مراقبة الناس، تكف المدينة عن كونها مشهداً، وتتحوّل إلى كائن نجلس معه على طاولة لنسمع حكايته بدل أن نتفرج عليه!

بعض المدن لا نحبّها لأنها جميلة، بل لأنها تُشبهنا في مرحلة ما، وفي النهاية يتوقف السفر عن كونه سؤالاً عن «أين ذهبت؟» ليصير «من كنت حين كنت هناك؟».